وصف منزل عتيق

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:١٥ ، ١٨ أغسطس ٢٠١٩
وصف منزل عتيق

وصف منزل عتيق

عند وصف منزل عتيق، تحتار الكلمات من أين تبدأ الوصف، هل تبدأ بسرد حكايات الجدران وذكرياتها الطويلة التي مرّت عليها، أم تصف أبواب المنزل وقد أصبحت بالية من كثرة الطرق عليها خلال أيّام عمرها الطويل، أم تصف شبابيك المنزل وقد نما عليها ورد الأيام فأزهرت الذكريات بحلوها ومرّها، إذ إنّ وصف منزلٍ عتيق يحتاج إلى الكثير من الشجاعة، وهي شجاعة من نوعٍ خاص يستجمع فيه الشخص كامل قوّته ليستطيع أن يتمالكَ نفسه وأعصابه وهو يتذكّر تلك الأيام الخوالي التي كان المنزل فيها يضجّ بالحياة، ثمّ عفا عليه الزمن وأصبح مهجورًا عتيقًا لا يوجد به لا أصوات ولا صدى، بل هي مجرّد ذكريات منسيّة تركها أصحابها والعابرون من الطريق.


في هذا المنزل كانت القناديل لا تُطفأ أبدًا، وكانت ليالي السهر تتجلّى في الصيف والشتاء، لترسم من عناقيد الأمل فرحًا قادمًا، لكنّها اليوم ذهبت كما ذهب أصحابها ولم يعد أحدٌ يتذكر تلك الليالي سوى جدران هذا البيت وطلائه القديم المتقشر بفعل قساوة الأيام والفصول وتقلباتها، وحتى الشجرة التي كانت تمتدّ على شرفة البيت، طالت وأصبحت أطول بكثير من الشرفة، دون أن تكلف نفسها بالاعتذار لجدران البيت الذي كانت تتّكئ عليه طوال الأيام الماضية.


حتى زجاج النوافذ لم يكن أكثر وفاءً من الشجرة والطلاء، بل تكسر مثلما تكسرت عتبة هذا البيت وأصبحت بالية وعفى عليها الزمن بعد أن هجرها الجميع، ولم يعد أيّ زائرٍ يدوس هذه العتبة، وتكسر أصيص الورد الذي كان يستقبل الزائرين وينثر عطر الريحان في أرجاء المنزل، ولم يعد للعطر وجود.


في أطراف المنزل العتيق تبدو جرّة الماء حزينة بائسة في الزاوية القريبة منه وقد جفّ ماؤها، ونمت على اطرافها طحالب الوقت فلم تعد صالحةً للشرب، أما حوض النعناع فقد جفّ الخضار فيه وأصبح مجرّد أثرٍ بعد أن كانت رائحته تفوح في المنزل والحيّ، فالمنزل العتيق لم يكن الوحيد طيّ النسيان، بل كلّ ما فيه من أشجارٍ وأزهارٍ وجرار ماء، وكأن النسيان أقام حفلة جماعية أخيرة في الغرف والساحات فلم يعد للذكريات أيّ أثر.


فتصدعت جدران المنزل العتيق محتجةً على قلة الوفاء، ونمت بين الشقوق أشتال الورد وعششت خلايا النحل، وكأنها جميعها تعتذر عن نكران الجميع لهذا المنزل العتيق، وكأنها أيضًا تُريد أن تقول له بأنه لم يزل ذا فائدةٍ كبيرة، ويكفي أنه في يومٍ ما كان يضجّ بضحكات الصغار والكبار.