هارون الرشيد والجواري

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٥٨ ، ٢ يوليو ٢٠١٩
هارون الرشيد والجواري

الخلافة العباسية

بعد استيلاء العبّاسيّين على عرش الخلافة الإسلاميّة وإزاحة الأمويّين عنه، متحالفين مع الشّيعة والعلويّين من آل البيت، فقد استأثروا بالحكم وحدهم متخلّين عن حلفاء الأمس من الشّيعة والعلويّين، وكان أبو العباس عبد الله بن محمد الهاشميّ الملقّب بالسّفّاح مؤسس الدّولة العبّاسيّة والخليفة الأوّل فيها سنة 132هـ، ثمّ جاء بعده أخوه أبو جعفر المنصور، الذي وطّد أركان الخلافة وشيّد العاصمة بغداد سنة 144هـ، وقد تولّى بقية الخلفاء العباسيين من نسله، ويعدّ الخليفة العبّاسيّ الخامس هارون الرّشيد من أشهر خلفاء بني العبّاس، وهو المعروف بالصّلاح والتّقوى والعدل والجهاد، وفي عهده بدأ ازدهار الحاضرة العبّاسيّة بغداد، ولمع نجمها في الحضارة العالميّة، وأطلق عليها اسم حاضرة الدّنيا، وبعد هذه المقدّمة، سيتمّ الانتقال إلى فقرة هارون الرشيد والجواري.[١]

هارون الرشيد والجواري

لقد تناثرت بعض الرّوايات بعنوان "هارون الرّشيد والجواري" في بعض المصادر، والتي ترجع جميعها إلى منبع واحد وهو حقد الشعوبيّة الدّفين على العرب والمسلمين؛ ومحاولة النّيل منهم ومن حضارتهم ومعتقداتهم، والكثير من قليلي العلم أو رقيقي الدّين من أبناء العرب والمسلمين ممّن ساروا على نهجِهم، وصدّقوا أكاذيبهم وأباطيلهم، ونبحوا نباحهم، فمن هذه الرّوايات التي وصفت الخليفة هارون الرّشيد بالرّجل الغارق في شّهواته، اللّاهي المحبّ للسّهرات، العاشق للخمر والسّكر، فيُرصَد هكذا الكلام متناثرًا في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وفي العصر الحديث في كتاب ألف ليلة وليلة المترجم عن كتاب فارسيّ "الهزار أفسان" أي: الألف خرافة.[٢]

وقد أكّد الدكتور شوقي أبو خليل -رحمه الله تعالى- أنّه وجد في كتاب الأغاني الجزء الرّابع ما يؤكد هذا الكلام؛ بأنّ قسمًا من التّاريخ العربيّ نقله عديمو الدّين وقليلو العلم والمعرفة، فيختلقون فيضًا من الافتراءات والأكاذيب، وتمرّ الأيّام فيختفي المفتي وتنطمس المعالم، والثّابت والصّحيح أنّ مجالس هارون الرّشيد كانت كلّها لإدارة شؤون البلاد، ولرفع المظالم عن العباد، والنّظر فيها، وكذلك للمناظرات الفقهيّة والعلميّة والأدبيّة، وقد ثبت بأنّ الامام الشّافعي ناظر في مجلسه عددًا من العلماء والفقهاء، وتفوّق عليهم، وقد أحبّه الرّشيد وقرّبه منه كما قرّب تلميذي أبي حنيفة النّعمان الإمامين محمد بن الحسن الشيباني والإمام أبا يوسف.[٢]

خلافة هارون الرشيد

بعد التّعليق على العنوان الرّئيسيّ: هارون الرّشيد والجواري لا بدّ من معرفة هارون الرّشيد الشّخصيّة التّاريخيّة العظيمة التي شدّت أنظار العالم إلى الحضارة العربيّة والإسلاميّة، هارون الرّشيد، تلك الشّخصية التي أجمع معظم المؤرّخين على أنّه من أعظم وأجلّ خلفاء بني العباس قيادة وشأنًا وذكاء وتقاة، حتّى قال فيه ابن خلدون والطّبريّ وابن العمرانيّ وغيرهم: "إنّ الرّشيد كان يصلّي في كلّ يوم مئة ركعة نافلة، وكان يغزو عامًا ويحجّ عامًا"، وقد استطاع إخماد الثّورات وجميع أشكال التّمرّد الدّاخليّ، الذي كان يهدّد الدّولة ووحدتها وتماسكها.[٣]

وقد اختار في خلافته أمهر الرّجال لتعيينهم في المواقع الإداريّة والعسكريّة، كما أنّه كان صارمًا وشديدًا مع كلّ من حاول تقسيم الدّولة، والنيل من استقرارها كالحركات العلويّة والشّيعيّة، وأمّن حدود البلاد الخارجيّة بحملاته المتتابعة ضدّ أيّ عدوّ يهدّد البلاد وأمنها كالدّولة البيزنطيّة، وفرض عليهم جزية سنويّة، وعندما انقلبوا عليه، عاد الكرّة عليهم وأرغمهم على الإذعان والخضوع له، ورفع من سقف من شروطه عليهم، وزيادة على ذلك اتّصافه بالورع والصّبر على الطّاعة، والسّهر على راحة الرعيّة وأمنهم.[٣]

توجه أنظار العالم نحو بلاط الرشيد

ما إن سمع العالم من الصّين والهند شرقًا وإلى أوروبّا غربًا عن حضارة الدّولة العباسيّة زمن هارون الرّشيد حتّى شدّ انتباهه؛ وجذب أنظاره، وراحت هذه الدّول ترسل برسلها إلى بلاط هارون الرّشيد، تطلب صداقته، وترجو ودّه، ومن أشهر السّفارات التي حضرت إلى بلاط الرّشيد آنذاك سفارة شارلمان ملك الفرنجة، حيث جاؤوا لتوطيد العلاقات بين الدّولتين العظميين ، وذلك سنة 183هـ 779م، فاستقبلهم الرّشيد أسن استقبال، وأكرم وفادتهم.[٢]

وعند عودتهم حمّلهم بالهدايا الثّمينة والنّادرة، من حيوانات نادرة وغريبة على تلك البلاد، كالفيل العظيم الذي أرسله إليهم، ولم تعرفه أوربا من قبل، وشمعدانات خزفيّة، ووعطور وأقمشة فاخرة، وساعة كبيرة مصنوعة من البرونز، وقد طليت بالذّهب، وصنعت في بغداد، ومن صفات هذه السّاعة العجيبة التي ظنّ شارلمان ووزراؤه وحاشيته عندما رأوها بالسّحر، أنّها عندما تدقّ ساعة الظّهيرة يخرج منها اثنا عشر فارسًا من اثنتَيْ عشرة نافذة تغلق من خلفهم.[٢]

خدمة الرشيد لأعمال الحج

عمل العبّاسيّون على تأمين راحة وأمن الحجّاج، من خلال تنظيم طرق الوصول إلى مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة؛ فقاموا ببناء الاستراحات والمنازل والقصور على طول طريق الحجّ، حفاظًا على متطلّبات الحجّاج وراحتهم، وقد جهّز الرّشيد الاستراحات بكلّ ما يتطلّبونه من فرش ومنامة ومأكل ومشرب، وكذلك زوجته زبيدة لم تدّخر جهدًا في إسعاد أهل مكّة والحجيج من خلال جرّ الماء إلى مكّة من عين تبعد عن مكّة حوالي ثلاثين ميلًا؛ فكان إنجازًا عظيمًا لقلّة المياه في مكّة، وأيضًا قاموا بتحديد معالم الطريق بالأميال لمعرفة المسافات التي قطعها الحجيج، مع حفر الآبار والعيون على طول الطّريق. وقد توفي -رحمه الله تعالى- وهو في طريقه أثناء ذهابه لقمع ثورة قامت ضده، فدُفن في طوس -مدينة مشهد الإيرانيّة اليوم- سنة 193هـ/808م، رغم كلّ ذلك ستبقى شخصيّته -رحمه الله تعالى- موضع نزاع بين معارضيه ومؤيّديه.[٢]

المراجع[+]

  1. "خلفاء العصر الأول"، www.books.google.com، اطّلع عليه بتاريخ 29-06-2019. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت ث ج "هارون الرّشيد"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 30-06-2019. بتصرّف.
  3. ^ أ ب "هارون الرّشيد"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 30-06-2019. بتصرّف.