في أحد العصور الغابرة، سرى طاعون الجنون في مدينة بسبب نهر، وكان كل من يشرب من مائه يصاب بالجنون. ففشى ذاك المرض في أنحاء المدينة، ولم يسلم منه أحد. فالماء حلو المذاق، يروي الظمآن، ويسلب العقلان، ويسرق الاطمئنان. أهمل الملك المرض في بدايته، لظنه أنه عارض سينتهي مع أيام الزمان. لكن الطاعون كان له كلام آخر. استيقظ من نومه ذات صباح، ووجد أن الملكة زوجته أصيبت أيضا بالجنون، إذ أنها ارتوت من ماء النهر. أصبحت تجتمع مع المجانين، وتشتكي الملك. فطفق الحال، ونادى الملك حاجبه: (لقد جنت المملكة، أين كان الحرس?). فأجابه: (لقد جنوا أيضا يا مولاي!). فصاح الملك: (اعرضوهم إذن على الطبيب). ففاجأه الحاجب بإجابة: (هو أيضا جن. لم يبق من العقلاء إلا أنا وأنت). قطب الملك حاجبيه، ومال إلى الحاجب: (أأحكم مدينة من المجانين?! ). ابتسم الحاجب، ورد عليه: (في الواقع، المجانين يدعون أنهم العقلاء، وأن المجانين محصورون بنا فقط. أنا وأنت المجنونان الوحيدان حسب منظورهم). فتساءل الملك: (كيف ذاك?!). فتمتم الحاجب، وقد علت محياه ابتسامة الساخر: (هم يقولون أنهم شربوا من النهر، ليتجنبوا الجنون. وكوننا نحن لم نشرب منه، فنحن المجانين وهم العقلاء! هم معهم الحق والفضيلة الآن، وهم من يضعون الحد الفاصل بين العقل والجنون. نحن حبتا رمل وحيدتان في صحراء كبيرة!!). فضحك الملك ملء فاه، وبادر الحاجب بقوله: (يا هذا، اغدق علي بكأس من نهر الجنون، إن الجنون أن تظل عاقلا في دنيا مجانين! ) حسام خطيب

نهر الجنون

نهر الجنون

بواسطة: - آخر تحديث: 18 يوليو، 2018

تصفح أيضاً

في أحد العصور الغابرة، سرى طاعون الجنون في مدينة بسبب نهر، وكان كل من يشرب من مائه يصاب بالجنون. ففشى ذاك المرض في أنحاء المدينة، ولم يسلم منه أحد. فالماء حلو المذاق، يروي الظمآن، ويسلب العقلان، ويسرق الاطمئنان. أهمل الملك المرض في بدايته، لظنه أنه عارض سينتهي مع أيام الزمان. لكن الطاعون كان له كلام آخر.

استيقظ من نومه ذات صباح، ووجد أن الملكة زوجته أصيبت أيضا بالجنون، إذ أنها ارتوت من ماء النهر. أصبحت تجتمع مع المجانين، وتشتكي الملك. فطفق الحال، ونادى الملك حاجبه: (لقد جنت المملكة، أين كان الحرس?). فأجابه: (لقد جنوا أيضا يا مولاي!). فصاح الملك: (اعرضوهم إذن على الطبيب). ففاجأه الحاجب بإجابة: (هو أيضا جن. لم يبق من العقلاء إلا أنا وأنت).

قطب الملك حاجبيه، ومال إلى الحاجب: (أأحكم مدينة من المجانين?! ). ابتسم الحاجب، ورد عليه: (في الواقع، المجانين يدعون أنهم العقلاء، وأن المجانين محصورون بنا فقط. أنا وأنت المجنونان الوحيدان حسب منظورهم). فتساءل الملك: (كيف ذاك?!). فتمتم الحاجب، وقد علت محياه ابتسامة الساخر: (هم يقولون أنهم شربوا من النهر، ليتجنبوا الجنون. وكوننا نحن لم نشرب منه، فنحن المجانين وهم العقلاء! هم معهم الحق والفضيلة الآن، وهم من يضعون الحد الفاصل بين العقل والجنون. نحن حبتا رمل وحيدتان في صحراء كبيرة!!).

فضحك الملك ملء فاه، وبادر الحاجب بقوله:

(يا هذا، اغدق علي بكأس من نهر الجنون، إن الجنون أن تظل عاقلا في دنيا مجانين! )

حسام خطيب