من هو الصحابي الذي ذكر في القرآن

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٢٧ ، ٩ مايو ٢٠١٩
من هو الصحابي الذي ذكر في القرآن

مكانةُ الصحابة في الإسلام

إنه لا تقوم أمةٌ دونَ مناراتٍ تهتدي بها؛ وأن يكونَ الصحابة مناراتِ الأمة فهذا لا يتناطح عليه ثوران، وكيف لا وقد صدّق الباري هذا بقوله: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ}[١]، ولإن وُجدَ في كل عصرٍ ومِصرٍ من يُرجف في هذه المنارات، ويسعى في تشويه صورتها لأبنائها، فإنَّ من أوجب الواجبات أنْ ينبريَ من هذه الأمة من يسلِّط الضوءَ على رموزها، ويبيّنَ ما أشكلَ من فهمٍ سقيمٍ عارض، وسيتناول هذا المقال أحدَ أهمِّ هؤلاء الصحابة الكرام؛ وهو: زيد بن حارثة، الصحابي الذي ذكر في القرآن.

الصحابي الذي ذكر في القرآن، والحكمة من ذكره

هو زيدُ بنُ حارثة حِبُّ النبي -صلى الله عليه وسلَّم-، وهو إلى ذلك الصحابيُّ الذي ذكر في القرآن؛ تكرمة منه سبحانه لزيدٍ، ومواساةً له، فقد كان فتىً من سبيِ الجاهلية، اشتراه النبي قبل البعثة وأعتقه، ثم تبناه حتى صار اسمه زيدَ بنَ محمد، وكان ذلك قبل أن يحرّمَ الله التبني حين أنزل قوله: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ}[٢]، وبعد ذلك زوجه ابنة عمته زينب بنت جحش التي لم تقبل به ابتداءً، إذ استنكفت وقالت: أنا خيرٌ منه حسَبًا وكانت امرأة فيها حدّة، فكان هذا سببًا لنزول الآية: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا}،[٣]

وما كان أن قبلت به بعد نزول الآية وتزوجها، غيرَ أنَ تعاليها عليه لم يكن مما تقدر على إخفائه، ما سبب ألمًا لزيدٍ بعد ذلك، فكان يراجع النبي غيرَ مرةٍ يشكو له معاملتها له، وتعاليها عليه، وأنه يفكر في تطليقها، ولكنّ النبي كان يحثه على المصابرة، وأن يمسكَ عليه زوجه كما ورد في الحديث: "..أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ.."[٤] ولكن زيدًا لما عظم عليه الأمر، ولم يعد يجد معها حيلة طلقها وتفارقا، وحين انقضت عدتها خطبها النبي لنفسه، وبعث لذلك زيدًا بنفسه يخطبها له، فأتاها وهي تخمر عجينها ففرحت وقالت: "..ما أَنَا بصَانِعَةٍ شيئًا حتَّى أُوَامِرَ رَبِّي، فَقَامَتْ إلى مَسْجِدِهَا، وَنَزَلَ القُرْآنُ، وَجَاءَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا بغيرِ إذْنٍ.."[٥]، ونزل القرآن: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا }[٦]،[٧]

وهكذا كرّم الله زيدًا بأن جعله الصحابيّ الذي ذكرَ في القرآن الذي يتلوه الناس في المحاريب، عوضًا عن حرمانه من شرف نسبة اسمه لمحمدٍ -عليه الصلاة والسلام-، وإيناسًا لوحشته إذ نزعت آية تحريم التبني عنه ذلك الشرف والفخر.[٨]

ثمرات القصة وحلُّ أهم إشكالاتها

أطلق المستشرقون لمخيلتهم العنان، بأقولٍ واهيةٍ لا تملك أدنى درجات التثبّت، إذ لا يعقلُ أن يكون الصحابي الذي ذكر في القرآن هو زيدٌ دونَ سواه، والمتعمق في القصة يرى أنَّ ثمارها كثيرة، ولكنْ لا أقلّ من أن نذكرَ أهمها:[٩]:

  • أهم مقصدٍ لزواج النبيّ من زينب، هو تبيان إباحة أن ينكحَ النبيُّ زوجة رجلٍ كان قد تبناه، وفي ذلك تأكيدٌ على إبطال التبني تمامًا: {لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا}.[٦]
  • يدخل المستشرقون من هذه الآية: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا}[٦]، فيقولون: كيف لنبيّ أمةٍ أنْ يأمر أحدًا بتسريح زوجه ليضمَّها إليه؟!، والحق أنّ النبي لم يأمره بتطليقها بل فعل العكس كما تم ذكره آنفًا، وكان يقول له: "..أمسك عليك زوجك، واتقِّ الله.."، حتى عاتبه الله بصريح الآية على ذلك وقد أعلمه من قبلُ أنها ستصير زوجته، ولكنّ حياءه من أن يتقولَ الناس فيه الأقاويل دفعه لفعل ذلك، فأنزل الله: {وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ}، ثمَّ إن الآية نفسها تدلُّ أنَّ زينب خرجت من قلب زيدٍ بالكلية لمَا كان بينهما: {فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا}؛ أي لم يعد لزيدٍ بها وطرٌ وحاجة.
  • يثير البعض شبهة دخوله -عليه الصلاة والسلام- على زينبَ دون إذنٍ بعد أن خطبها له زيد، والحق أن زواجه منها لم يحتمل ما يحتمله أيُّ زواجِ آخرَ من مقتضيات الموافقة والقبول والعقد وغيرها، فالله زوَّجها له بقرآنٍ يتلى وانتهى الأمر، حتى إنَّ زينب نفسها كانت تفخر بذلك على باقي زوجات النبي فتقول لهنَّ: "زوجكنّ أهلوكنّ وزوجنِي اللهُ من فوقِ سبعِ سماواتٍ".[١٠]

المراجع[+]

  1. سورة التوبة، آية: 100.
  2. سورة الأحزاب، آية: 5.
  3. سورة الأحزاب، آية: 36.
  4. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 177، [صحيح].
  5. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 1428 ، صحيح.
  6. ^ أ ب ت سورة الأحزاب، آية: 37.
  7. "شبهات حول زواج النبي صلى الله عليه وسلم"، islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 08-05-2019. بتصرّف.
  8. "تفسير سورة الأحزاب - الآية37"، quran.ksu.edu.sa، اطّلع عليه بتاريخ 08-05-2019. بتصرّف.
  9. "زواج النبي من زينب، وما أثير حول هذا الزواج "، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 08-05-2019. بتصرّف.
  10. رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم: 3213 ، حسن صحيح.