مقاصد سورة الفرقان

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٧:١٥ ، ٣٠ يونيو ٢٠١٩
مقاصد سورة الفرقان

سورة الفرقان

سورة الفرقان، عدد آياتها سبعٌ وسبعون آية، وهي السورة الخامسة والعشرون من سورة القرآن الكريم، في الجزء التاسع عشر والحزب السادس والثلاثين والسابع والثلاثين، وهي من السور المكيَّة ولكن آياتها الثامنة والستين والتاسعة والستين والسبعين آياتٌ مدنيَّة، افتتحت سورة الفرقان بالثناء على الله -عزَّ وجلَّ- بلفظٍ "تبارك"، وفي السورة سجدة تحديدًا في الآية الستين، وقد سُميت بالفرقان، لأنَّ الله تعالى أشار إلى أنَّ القرآن الكريم هو معجزةُ نبيه -صلى الله عليه وسلم- وأنَّ هذا القرآن قد فرق الحقَّ عن الباطل، فالفرقان اسم من أسماء القرآن الكريم، وفي هذا المقال سيتم التَّعرف على مقاصد سورة الفرقان.[١]

أسباب نزول سورة الفرقان

ليس هناك سبب خاص لنزول آيات سورة الفرقان جُملةً، فهناك من آياتها ما ينزل لسبب ويُمكن ذكره، ومنها ما نزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدون سبب، فلم يكن لكلِّ سورة في القرآن الكريم سبب خاص ومعروف، وقد جاء عن ابن عباس -رضي الله عنه-: "لَمَّا عَيَّرَ المشركون رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالفاقةِ، فقالوا: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ}، حَزِنَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لذلكَ، فنَزَل عليه جِبريلُ، فقال: إنَّ ربَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، ويقولُ: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ}،"[٢]وفي سبب نزول الآية الكريمة من سورة الفرقان، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا}،[٣]ففي جاء عن ابن عباس -رضي الله عنه- أيضًا: "أنَّ ناسًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا فأكْثَرُوا، وزَنَوْا فأكْثَرُوا، ثُمَّ أتَوْا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقالوا: إنَّ الذي تَقُولُ وتَدْعُو لَحَسَنٌ، ولو تُخْبِرُنا أنَّ لِما عَمِلْنا كَفَّارَةً، فَنَزَلَ: {والذينَ لا يَدْعُونَ مع اللَّهِ إلَهًا آخَرَ....}،"[٤]والله أعلم.[٥]

مقاصد سورة الفرقان

سورة الفرقان شأنها كشأن جلِّ السور المكيَّة التي نزلت لترسيخ أُسس العقيدة عند المسلمين، ومن مقاصد سورة الفرقان في آياتها الأولى في قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا* الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}،[٦]جيث إنَّها بدأت بتعظيم الله سبحانه وتعالى وتوحيده، كما يُثني الله تعالى على نفسه بأن لا إله إلا الله، خالقُ البشر ومُنظمُ حياتهم، كلُّ شيء في هذا الكون مرهون بإذنه، عند الخير كلّه وبيده الأمرُ كلّه، وفي الآيات الكريمة أيضًا من قوله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا}،[٧]وإلى قوله تعالى: {انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا}،[٨]في الآيات بيان لضلال المشركين وتكذيبهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وادعاءاتهم الباطلة أنَّ النبوة تكون لأكثر الناس جاهًا ومالًا وعزًا وجاهًا، والنبوة ليست بذلك كلِّه بل هي لشخص يختاره الله تعالى ويصطفيه على غيره من البشر لصفات ومؤهلات خُلقيَّة يتمتعُ بها، ولو كان هؤلاء المشركون يريدون معرفة الحقيقة ويتبعوا طريق الله بإخلاص لما قالوا ذلك في صفات الرسل.[٩]

واستكمالًا في مقاصد سورة الفرقان من قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا}[١٠]،وحتى قوله تعالى: { لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا}[١١]،تمضي الآيات الكريمة لتُذكرَ بيوم القيامة وبالحساب، وبحال المشركين المكذبين لآيات الله تعالى، حين يندمون بعد فوات الأوان حيث لا ينفع الندم، وحين لا ينفعهم اجتماعهم على الشرك كما كانوا في الحياة الدنيا، فقد كان اجتماعهم على الباطل، فيأتون يوم القيامة فيُحمِّل كلٌّ منهم أوزاره للآخر، قد أضلهم الشيطان جميعًا واتبعوه وفي اتباع الشيطان خُذلان الدنيا والآخرة، وفي الآيات من قوله تعالى: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}[١٢]،إلى قوله تعالى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا}[١٣]،تُذكرُ الآيات بالكافرين من الأمم السابقة من قوم نبي الله موسى -عليه السلام- وقوم عاد وثمود وأصحاب الرس وغيرهم، لتتحدث بشكلٍ موجز عما حلَّ بهم من العذاب جزاءً لكفرهم، ثم تأتي الآيات على جملةٍ من المشاهد الكونية التي تبين إبداع الله في خَلقِه، والتي إذا ما تفكّر فيها الإنسان فلابدّ أن تصل به لحقيقة الإيمان، ومن مظاهر الإبداع الإلهي تعاقب الليل والنهار، وخلق الإنسان من الماء، وخلق السماوات والأرض، والشمس والقمر، وكلُّ ذلك خلقه الله تعالى على مقدار معين وحساب دقيق، وبعد كلِّ الآيات الكونية المُحكمة يأبى الكفار إلا أن يكذبوا المرسلين.[١]

وتأتي مقاصد سورة الفرقان في الآيات من قوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا}،[١٤]إلى نهاية السورة في قوله تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ۖ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا}،[١٥]للحديث عن صفات عباد الله الذين تفكَّروا في خلق الكون فأدركوا الحقيقة، وصدقوا الرسل واتبعوا الحقّ، فعلت منزلتهم عند ربهم، فاستحقوا أن يذكرهم الله تعالى في مُحكمِ تنزيله، وأن يُثني عليهم بوصفهم بأنَّهم عبادُ الرحمن، فألحق اسمهم باسمه العظيم -سبحانه وتعالى، وتُختم الآيات الكريمة كما بدأت بالإشارة إلى الهدف الأساسيّ للسورة وهو التفريق والتمييز بين الحق والباطل واتباع الحق، فمن يبحث عن الحق فقد أعطاه الله الفرقان لينير له الطريق.[١]

فضل سورة الفرقان

بعد التفصيل في مقاصد سورة الفرقان لا بدّ من الإشارة إلى فضل هذه السورة المُباركة، وأسمى فضائلها أنَّها سُميت باسمٍ من أسماء القرآن الكريم، لتدلّ على تفريق القرآن الكريم بين الحق والباطل، وليس هناك في الأحاديث الصحيحة الواردة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديث عن فضل سورة الفرقان إلا ما جاء في بعض المواقف منها الخلاف بين الصحابة حول قراءة آيات السورة الكريمة، وما جاء عن الرسول أنَّ القرآن نزل على سبعة أحرف، أي سبع قراءات: "سَمِعْتُ هِشَامَ بنَ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ، يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ في حَيَاةِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هو يَقْرَأُ علَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ، لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَكِدْتُ أُسَاوِرُهُ في الصَّلَاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حتَّى سَلَّمَ، فَلَبَّبْتُهُ برِدَائِهِ، فَقُلتُ: مَن أقْرَأَكَ هذِه السُّورَةَ الَّتي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قالَ: أقْرَأَنِيهَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقُلتُ: كَذَبْتَ، فإنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ أقْرَأَنِيهَا علَى غيرِ ما قَرَأْتَ، فَانْطَلَقْتُ به أقُودُهُ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقُلتُ: إنِّي سَمِعْتُ هذا يَقْرَأُ بسُورَةِ الفُرْقَانِ علَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أرْسِلْهُ، اقْرَأْ يا هِشَامُ فَقَرَأَ عليه القِرَاءَةَ الَّتي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: كَذلكَ أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قالَ: اقْرَأْ يا عُمَرُ فَقَرَأْتُ القِرَاءَةَ الَّتي أقْرَأَنِي، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: كَذلكَ أُنْزِلَتْ إنَّ هذا القُرْآنَ أُنْزِلَ علَى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا ما تَيَسَّرَ منه"،[١٦]وأمَّا ما يتناقله الناس من فضائل سورة الفرقان بأنَّ في قراءة بعض آياتها رقية شرعيَّة لعلاج أمراض تصيب الجلد فهو بدعة لا أصل لها، وليست من اتباع السنة النبويَّة في شيء.[١٧]

تفسير آية ويوم يعضّ الظالم على يديه

إن تفسير قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا}،[١٨]وعضُّ الظالم على يديه هو كنايةٌ عن ندمه على ما اقترفت يداه في الحياة الدنيا من المعاصي والذنوب، وقد نزلت هذه الآية في عقبة بن أبي مُعيط وخليله أمية بن خلف الذي منع عقبة عن الإسلام، ولم يُذكر اسمه في الآية لتكون الفائدة أكبر والعظة أشمل، فيعلم كلُّ ظالم مصيره يوم القيامة وجزاء أفعاله، واتباعه لأخلاء السوء، فيندم أشذَّ الندم على عدم ابتاعه للنبيّ -صلى الله عليه وسلم-، ولكنّ بعد فوات الأوان حيث لا تنفع توبة، ولا يُنجي ند من عقاب الله تعالى.[١٩]

المراجع[+]

  1. ^ أ ب ت "التعريف بسورة الفرقان"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 29-06-2019. بتصرّف.
  2. ،رواه السيوطي ، في شرح المواقف، عن عبد الله بن عباس، الصفحة أو الرقم: 13 ، منكر.
  3. سورة الفرقان، آية: 68.
  4. رواه مسلم ، في صحيح مسلم، عن عبدالله بن عباس ، الصفحة أو الرقم: 122، صحيح.
  5. "سبب نزول آيات مباركات من سورة الفرقان"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 29-06-2019. بتصرّف.
  6. سورة الفرقان، آية:1-2.
  7. سورة الفرقان، آية: 3.
  8. سورة الفرقان، آية: 9.
  9. "مقاصد سورة الفرقان"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 29-06-2019. بتصرّف.
  10. سورة الفرقان، آية: 10.
  11. سورة الفرقان، آية: 29.
  12. سورة الفرقان، آية: 30.
  13. سورة الفرقان، آية: 60.
  14. سورة الفرقان، آية: 63.
  15. سورة الفرقان، آية: 77.
  16. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عمر بن الخطاب، الصفحة أو الرقم: 4992 ، صحيح.
  17. "التعريف بسورة الفرقان"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 29-06-2019. بتصرّف.
  18. سورة الفرقان، آية: 27.
  19. "تفسير سورة الفرقان"، www.quran.ksu.edu.sa، اطّلع عليه بتاريخ 29-06-2019. بتصرف