مفهوم الرومنطيقية

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٤٢ ، ٢٨ مارس ٢٠١٩
مفهوم الرومنطيقية

مفهوم الرومنطيقية

تعبّر كلمة الرومنطيقيّة أو الرومانسيّة لغة عن القصص الخيالية ذات الخيال الجامح والمشاعر الجيّاشة التي انتشرت في أوروبا  أواسط القرن الثامن عشر، وصورت الأبطال وانتصاراتهم، وهذا ما أعجب الرومنطيقيّون، فنسبوا مذهبهم إليها، وسمّوه باسمها. حتى أصبحت مدرستهم الرومنطيقية مذهبًا له خصائصه المائزة، ويتبعه كلّ أديب يقف ضد الكلاسيكية في دعوته إلى الحرية والتحرّر من الاحتكام إلى العقل والقواعد القديمة التي نادى بها أفلاطون وأرسطو، وبات يعبر عن العواطف والخيال وجمال الطبيعة. وقد كان فريدريك شليجل الناقد الألماني هو أول من صاغ مفهوم الرومنطيقية كنقيض للمدرسة الكلاسيكية، وركز على التلقائية والتحرر من التقاليد وإعلاء قيمة الفردية وقيمة الفرد، الذي ظهر في الأدب الرومنطيقي إما إنسانًا مكتئبًا أو إنسانًا ثائرًا على مجتمعه. [١]

عوامل نشأة الرومنطيقية

عَرف القرن الثامن عشر سيطرةَ الطبقة الأرستقراطيّة على مقاليد السلطة السياسية والاجتماعية، فثار رجال الطبقة الوسطى البرجوازية على امتيازات الحسب والنسب والحكم الوراثي للأرستقراطين، وسعوا إلى نيل حقوقهم السياسية والاجتماعية من خلال الدعوة إلى قيم جديدة كالحرية، والديمقراطية، والإعلاء من شأن الفرد وتمجيد العمل الإنساني، والتعبير عن آمال وتطلعات الطبقة الجديدة، وهكذا ظهر مفهوم الرومنطيقية بوصفه أدبًا جديدا يعبر عن تطلعات وأفكار هذه الطبقة البرجوازية وتطلعاتها.

إضافة إلى ذلك شعور الإنسان الأوروبي بذاته وكيانه القومي، فالثورة الفرنسية أسمهمت بشكل كبير في ظهور الوعي القومي، الذي دفع الأمة إلى النضال من أجل حريتها، والتخلص من النظام الاقطاعي الذي شتت أوروبا إلى ممالك ومقاطعات إقليمية. ومن هذا المنطلق ركّز الأيب على تصوير بيئته وما فيها من مناظر طبيعية خلابة وعادات وتقاليد من وجهة نظر الأديب وذاته ومشاعره الخاصة، وابتعد عن تصوير العموميات التي ركزت عليها الكلاسيكية.

وقد كان للشعور القومي ببلاء الكلاسيكة وأصولها وقواعدها، وحرصها على فرض سيطرة العقل، أثر كبير في ظهور مفهوم الرومنطيقية، فقد غالت الكلاسيكية وتطرّفت في فرض قيودها وقواعدها على الأدباء، حتى ضاقت بهم وبقدرتهم عن التعبير عن مشاعرهم وروح العصر الذي شهد أحداثا خطيرة غيّرت من قيمه ومثله الشائعة، فجاء مفهوم الرومنطيقية لدى الأدباء في مذهبهم الأدبي وسيلة لجحد العقل وإعلان عدم الرّضا عن الواقع، والتمرد عليه، وتتويج الشعور والعاطفة فيما يعبر عنه.

وكان من أبرز هذه الأحداث، إخفاق الثورة الفرنسية في التمرّد على الواقع والكنيسة وانهيار نابليون، ممّا أصاب الأدباء والمثقفين باليأس، فكان لا بدّ للأدب الرومنطيقي من التعبير عن الحزن والقلق والألم والخيبة التي أصابت النفوس، وعن التعبير عمّا عرف بمرض العصر المتمثل في عدم القدرة على التوفيق بين ما كان يأمل الإنسان الأوروبي وبين ما يستطيعه وما وصل إليه. [٢].

خصائص المدرسة الرومنطيقية

لنفرض أننا لا نعرف أن كاتبا ما هو كاتب رومنطيقي، فهل من السهل أن نميز انتماءه الأدبي، إن الانتماء الأدبي لأي أديب يبرز من خلال تتبع خصائص نصه الأدبي، ولمعرفة النص الرومنطيقي يستطيع أن يبحث القارئ عن الأمور الآتية، التي تمثّل أبرز خصائص المدرسة الرومنطيقية: [١]

  • الإيمان بالحريّة الفردية وتمجيدها في كل مناحي الحياة، وقد مثّلت هذه الخاصية مفهوم الرومنطيقية الأعلى وهو الفردية؛ فالفرد حر، والعاطفة حرّة، وما الأدب إلا تعبير عن ذاتية الأديب ومشاعره، وهو حين يكتب لا يستظل بأية قواعد مسبقة، إنّما يستوحي ذاته فقط،لذلك يعد الأدب الرومنطيقي أدب ثورة وتحرر وفردية وذاتية، وهذا ما دفعهم إلى الخروج عن قانون الوحدات الثلاث في المسرح بوصفها قواعدًا وأصولا يحتكم فيها إلى العقل، وجمعوا في المسرحية بين المأساة والملهاة، مجسدين من خلالها صور الموت والعنف الذي شهده العصر.
  • الخضوع المطلق للعاطفة وتغليبها على العقل، فالعقلُ في مفهوم الرومنطيقية لا يجلب للإنسان إلا الجفاف والجمود، فكانت العاطفة طريقا للحقيقة، والقلب هو منبعُ الإلهام والشعور. كما أن الرومنطيقيين يعتدُّون بالحب العفيف الطاهر، ويعلون من شأنه حدّ التقديس، وخير مثال على ذلك رواية أحدب نوتردام لفكتور هيجو.
  • عشق الطبيعة والتمسك بها والتعبير عنها، فقد وجدوا فيها ملاذهم من المدينة وقيودها وقسوتها، لذلك لجؤوا إلى الطبيعة، واستلهموا من أحضانها الحب والعطف، وذرفوا الدموع فيها، وكان أبرز من نادى إلى إجلال الطبيعة في الرومنطيقية هو جان جاك روسو، وإلى جانب الطبيعة كانت المرأ التي أثارت حزن الرومنطيقي لتمنعها عنه، أو لدفعا له على التغزل بها أثناء غزله بالطبيعة.
  • تصوير الخاص عوضًا عن العامّ، وتصوير البيئة المحلية وما فيها من عادات وتقاليد، ومشاكل وقضايا خاصة، متعلقة بالبيئة التي يتحدون عنها.
  • الإعجاب بآداب القرون الوسطى والملاحم الأوروبية والقصص الرومنسية، لما وجودا فيها من أجواء خيالية وساحرة ومليئة بالعواطف، وشخصياتها إنسانية يغلب عليها نقاء السريرة، وتحليها بالفضائل والقيم التي طالما بحثوا عنها في الواقع.

أبرز أدباء الرومنطيقية

بدأت الرومنطيقية في الغرب، وهي وإن بدأت في فرنسا، إلا أنها سرعان ما انتشرت، وتجلّت ظاهرة في أعمال العديد من الأدباء منهم من برز اسمه، ومنهم من كان غائبًا عن الذكر، أما أبرز أدباء الرومنطيقية في الآداب الأوروبية والذين أسسوا لمفهوم الرومنطيقية أو طوّروه وزادوا عليه من باب التمثيل لا الحصر:

في إنجلترا برز كل من وردزورث وكوليردج وشللي وكيتس وبيرون، وتذكر العديد من المصادر بأن الرومنطيقية في إنجلترا بدأت بديوان مقطوعات قصصية غنائية للشاعرين وردزورت الذي جاء ثورة على الكلاسيكية عام 1798. بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الشعراء الذين برزوا من خلال العاطفة الجياشة والذاتية والغموض في أدبهم، بالإضافة إلى تغنيهم بجمال الطبيعة وهم: توماس جراي، ووليم بليك.

أمّا في فرنسا فقد ظهر جان جاك روسوا رائد الرومنطيقية الحديثة فهو رغم إيمانه العقل إلا أنه نزع إلى الإحساس الفردي والأحلام للتخلص من القيود الاجتماعية، وظهر أيضا فكتور هيجو من أبرز الرومنطيقيين، فكتب المسرحية الشعرية والشعر الغنائي، ومنهم لامارتين ودي موسيه، وألفريد دي فيني، والشاعر بودلير التي بدت الومنطيقية على يديه شكلا من أشكال الإلحاد. وشاتوبريان الذي توسع في مفهوم الطبيعة لتطال كل مكوناتها، وألف رواية آتالا التي تناولت قصة حب بين شاب وفتاة من هنود أمريكا الشمالية، فاتحا الباب بذلك للرومنطيقية على الموضوعات البدائية وغير المألوفة.

وفي ألمانيا اشتهر غوته ومن أبرز أعماله الرمنطيقية كانت قصته فاوست التي تناولت موضوع الصراع بين الإنسان والشيطان، ورواية آلام فولتير 1782. كما اشتهر الشاعر شيلر.

ومن النساء الأوروبيات اللواتي كتبن في مفهوم الرومنطيقية نقدا وأدبا، برزت مدام دوستايل التي شجعت الرومنطيقية، إذ ألفت كتابا اسمته من الأدب، أوضحت فيه أن الحرية هي أساس التقدم في كل الآداب قديمها وحديثها، وفي المجتمعات أيضا، ومنه فتحت الباب واسعا على العلاقة بين الأدب والمجتمع وعلاقة التأثر والتأثير بينهما، كما ألفت العديد من الكتب في الرومنطيقية منها من ألمانيا، وقد سبقت بأفكارها النقدية عن الرومانسية شاتوبريان، وأكملبت مسيرته الفكرية فيما بعد[٣].

الرومنطية في الأدب العربي

ظهر مفهوم الرومنطيقية في الأدب العربي بداية القرن العشرين بظهور الطبقة الوسطى البرجوازية من العرب وتأثرهم عن طريق الترجمة -وخاصة المثقفين- بالآداب الأوروبية، واستمرّت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. وفيها أحس الأدباء العرب بذاتهم، وتحولت نظرتهم إلى الواقع إلى نظرة حالمة لا تربط بين الفرد ومشكلات واقعه الاجتماعية والسياسية.

ويذهب النقاد إلى أن خليل مطران هو أول من بشّر بمفهوم الرومنطيقية في الشعر العربي الحديد، وببدأ مدرسة أدبية جديدة مخالفة للكلاسيكية، وذلك عندما كتب في مجلة المصرية عام 1900 النص التالي: "إن اللغة غير التصوّر والرأي، وإن خطة الغرب في الشعر لا يجب حتما أن تكونَ خطتنا، بل لهم عصرهم ولنا عصرنا، ولهم آدابهم وأخلاقهم وحاجاتهم وعلومهم، ولهذا وجب أن يكون شعرنا ملازمًا لتصوّرنا وشعورنا لا لتصورهم وشعورهم، وإن كان مفرغًا من قوالبهم، محتذيًا مذاهبهم اللفظية".

وقد مثّل أدب مدرسة الديوان مُمثّلةً بالعقاد والمازني وعبد الرحمن شكري خير مثال للرومنطيقية في الأدب العربي، وكذلك مدرسة أبولو ممثلة أحمد زكي وابراهيم ناجي، ومدرسة المهجر ممثلة بإيليا أبو ماضي وجبران خليل خبران وميخائيل نعيمة، كما ظهرت في أدب المنفلوطي الذي عبّر عن آلام الفقراء وما يلاقونه من حرمان، مُرجِعًا هذا كلّه إلى قوى غيبيّة.

المراجع[+]

  1. ^ أ ب الرومانسية, ،  "www.marefa.org"، اطلع عليه بتاريخ 2/2/2019، بتصرف
  2. الرومانسية, ، "saaid.net"، اطلع عليه بتاريخ 2/2/2019، بتصرف
  3. المذهب الرومانسي, ، "www.alukah.net"، اطلع عليه بتاريخ 2/2/2019، بتصرف