مظاهر التجديد في العصر العباسي

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:٣٩ ، ١٦ سبتمبر ٢٠١٩
مظاهر التجديد في العصر العباسي

العصر العباسي

يُطلق العصر العباسي على الفترة التي حكَمَ فيها خلفاء بَني العباس، وتمتد من سنة 132هـ / 750م إلى سنة 656هـ / 1258م، وكان عدد الخلفاء فيها 37 خليفةً، أولهم عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب المعروف بالسفاح، وآخرهم أبو أحمد عبد الله المستعصم بالله الذي قُتل على أيدي التتار بعد اكتساحهم بغداد سنة 656هـ، ويقسم المؤرخون العصر العباسي إلى عصرين، العصر الأول، وعدد الخلفاء الذين تولوا الحكم فيه تسعة خلفاء، وقد تميز ذلك العصر بقوة الدولة، وسيطرة الخلفاء سيطرة كاملة، وانتشار العلم، والعصر العباسي الثاني، الذي عرف فيه تمزق الدولة، وانفصال بعض الأقاليم عنها، وستذكر في هذا المقال مظاهر التجديد في العصر العباسي.[١].

مظاهر التجديد في العصر العباسي

اتّخذت الدولة العباسية ومع أول نشأتها، شكلًا مغايرًا في بعض السياسات، وإحدى مظاهر التجديد في العصر العباسي، الوزارة، فمنصب الوزارة بدأ يأخذُ شكلًا مغايرًا في الخلافة العباسية عما كان عليه من قبل، فقد كان تعيين الوزراء أمرًا ضروريًّا، ويُعْتَبَرُ حفص بن سليمان المعروف بأبي سلمة الخلال "ت 132هـ/ 750م"، أول مَنْ لُقِّبَ بالوزارة في الإسلام، وكان يقال له: وزير آل محمد، وهو الذي أنفق أموالًا كثيرة في سبيل الدعوة العباسية، وقد نصَّب أبو جعفر المنصور رجلًا يدعى سليمان بن مخلد المعروف باسم أبي أيوب المروياني الوزارةَ بجانب الدواوين، وقد ذكر ابن كثير أنه كان "صاحب ديوان الإنشاء"، ووصل الوزير في ظلِّ الخلافة العباسية إلى مكانة مرموقة، بل حدا به الأمر بأن صارت إليه أحوال البلاد والعباد.[٢]

وأبرز من تولى منصب الوزارة هم أسرة البرامكة، فقد مُنح يحيى بن خالد البرمكي السلطة المطلقة، فأصبح بيده الأمر والنّهي في الدولة، فيذكر ابن كثير أنّه "لما وَلِي هارون الرشيدُ عرفَ له حقه "أي ليحيى بن خالد" وفوَّض إليه أمور الخلافة، وأَزِمَّتها ولم يزل كذلك حتى نكبة البرامكة"، وما أتت نكبتهم، إلا بعد أن خشيت الدولة أن تؤول أمور البلاد إلى البرامكة، فيعملوا على انقلاب يغير مجرى تاريخ دولتهم، ومن أبرز الوزراء في الدولة العباسية وزير المأمون الفضل بن سهل "ت 202هـ"، وقد كان الْفَضل هذا من أعظم الوزراء في التاريخ الإسلامي، ولمكانته أطلق المأمون يده في كل الأمور وسمّاه "ذا الرياستين" لتدبيره أمر السيف والقلم، أي رباطة الجأش والشجاعة، وطلاقة الكتابة والكلام.[٢]

التطور الأدبي في العصر العباسي

اتّخذت الدولة العباسية أشكالًا من التطور والتجديد، ومن مظاهر التجديد في العصر العباسي، تطور الأدب، وظهور فنون لم تكن معهودة من قبله، وبروز عدد كبير من الأدباء والكتّاب والنقّاد والشعراء الذين خلدت أسماءَهم أعمالُهم إلى الآن، وقد كان مفهوم العلماء للثقافة واسعًا يمثل المعرفة بأسرها، ومن هنا كان تعريف الأديب والمثقف في عرفهم بأنه: "الشخص الذى يعرف طرفًا من كل علم"، وتظهر هذه الصفة في المؤلفات الأدبية عامة، فلم تقتصر هذه الكتب على نوع واحد من الأدب، فقد كان الأديب لغويًا، ومؤرخًا، وجغرافيًا وملمًا بأطراف المعارف الأخرى، وقد كان هذا العصر عصر قيام نهضة أدبية علمية وخاصة في الشعر.[٣]

وممّا قد شجّع ظهور الثقافة والاهتمام باللغة بهذا الشكل، هو التشجيع المباشر ممن قِبَل الخلفاء والأمراء والولاة، فقد كان أغلب خلفاء الدولة العباسية يقرّبون من بلاطهم العلماء والأدباء، ويتخذ كل منهم بطانة منهم، لمدحهم والثناء عليهم، غير ان عددًا من الخلفاء قد كانوا شعراء، ولم يقتصر انتشار الأدب على بغداد وقرطبة حينها، فقد كانت كثير من الدول التي انبثقت عن الدولة العباسية أو قامت في ظلالها يتنافس بعضها مع بعض في رفع منار الأدب والعلم، حتى ولو كان ملوكها وأمراؤها من الأعاجم.[٣]

التطور العلمي في العصر العباسي

كانت لا تزال الدولة العباسية تبهر القارئ في تاريخها، والمبحر في محيط شموليتها التي جمعت بين الأدب والعلم والدين والفلسفة والحضارة والطب والفلك، والآن يذكر مظهر جديد من مظاهر التجديد في العصر العباسي، وهو التطور العلمي، وهذا بعد أن أنشئت دور الحكمة والمكتبات "التي استقلت عن الانحصار تحت سقف المسجد" ويقول فيها ول ديورانت "Will Durant" صاحب موسوعة قصة الحضارة: "لقد كانت الحضارة العالَمية الأولى والوحيدة والمهيمنة خلال أكثر من عشرة قرون، أي: إلى ما بعد القرن السادس عشر الميلادي أو العاشر الهجري، والطب والصيدلة كانا من المجالات العلمية التي بزغت إبان العصر العباسي.[٤]

ويرجع ذلك إلى الترجمة التي بلغت في العصر العباسي شأنًا عظيمًا منذ خلافة أبي جعفر المنصور الذى كلف "جورجيس بن بختيشوع النسطوري" بتعريب كتب كثيرة في الطب عن الفارسية، وتوارثت أسرته بعد ذلك الترجمة والتأليف والتدريس، ويعتبر عهد الخليفة المأمون العصر الذهبي لازدهار حركة الترجمة والإنفاق عليها بسخاء، وهذا ما يدل على أهمية الترجمة، إذ لها دور كبير في ننقل علوم ومعارف الحضارات الأخرى، وقد برز في مجال الترجمة والتأليف "أبو يعقوب يوحنا بن ماسويه" الطبيب المسيحي الدمشقي، الذي عهد إليه الرشيد هارون بترجمة الكثير من كتب الأطباء والحكماء مثل: "أبقراط"، و"جالينوس"، وغيرهما وخلف "يوحنا" تلميذه حنين بن إسحاق العبادي الملقب بشيخ تراجمة العصر العباسي، ونتيجة لتلك النهضة والنقلة النوعية، برز عدد كبير من الأطباء في ذلك الوقت، ومنهم أشهر أربعة من الأطباء المسلمين وهم: جالينوس العرب أبو بكر الرازي، وعميد الجراحة العربية أبو القاسم الزهراوي، والشيخ الرئيس ابن سينا الملقب بأرسطو الإسلام وأبقراطه، ونابغة عصره في الطب ابن النفيس.[٥]

التطور الحضاري في العصر العباسي

بعد الاستقرار التي حظيته الدولة العباسية، بعد القضاء على الثورات وإخمادها، تفرغ بعض خلفاء بني العباس إلى الفن العمراني، وقد كان لامتزاج الحضارة الإسلامية بغيرها من الحضارات كالهندية والفارسية والتركية أثر بالغ الأهمية، ويظهر ذلك جليًا بالتطور الثقافي والعمراني الذي حصل إبان حكم بني العباس، ومن أبرز تلك المعالم، مدينة بغداد التي بناها المنصور سنة 146هـ وفيها تظهر روائع العمارة الإسلامية في العصر العباسي الأول وخاصة قصر الأخيضر الذي يعد أروع القصور العباسية ولا يضاهيه في الجمال سوى قصر المعتصم في سامراء "وهي العاصمة الثانية للخلافة العباسية"، أمّا عن الفن في عمارة المساجد فيلاحظ التطور الذي حدث فيها في المسجد الجامع في سامراء، والذي يتميز بتصميم فريد منقطع النظير، وخاصة في مئذنته الحلزونية الشهيرة، والزائر للمسجد يلاحظ تقنية الصوتيات المعمارية المتقدمة.[٦]

وفي الآثار المعمارية للعباسيين تظهر روائع الفن الإسلامي في ذلك العصر، كالتصوير الجداري في القصور العباسية بالإضافة إلى الزخارف الجصية من خلال فن النحت على الحجر برسم تفريعات نباتية ذات أوراق كبيرة كما ظهر فن النحت على الخشب في قطعة خشبية عثر عليها علماء الآثار في سامراء، وهذا ما يعد أثرًا من آثار امتزاج الحضارات مع بعضها، إذ أخذ هذا الفن عن الحضارة اليونانية والفارسية، وينسب إلى أوائل العصر العباسي مجموعة من الأواني الخزفية التي ظهرت فيها ابتكارات المسلمين في فن الخزف، وهكذا يختم مقال: مظاهر التجديد في العصر العباسي.[٦]

المراجع[+]

  1. "نظرات في العصر العباسي"، www.islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 24-08-2019. بتصرّف.
  2. ^ أ ب "الوزارة في العصر العباسي والأندلسي "، www.islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 24-08-2019. بتصرّف.
  3. ^ أ ب "الأدب في العصر العباسي"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 24-08-2019. بتصرّف.
  4. [api.alukah.net/culture/0/123009/ "التعليم في العصر العباسي "]، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 24-08-2019. بتصرّف.
  5. "الطب والصيدلة في العصر العباسي"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 24-08-2019. بتصرّف.
  6. ^ أ ب "عباسيون"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 24-08-2019. بتصرّف.