مبطلات المسح على الخفين

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٤٥ ، ١ أكتوبر ٢٠١٩
مبطلات المسح على الخفين

الوضوء

شرع الله تعالى الوضوء ليكون طهارةً للبدن من الحدث الأصغر -كالبول والريح وغيرها-، وهو شرطٌ من شروط الصلاة، كما يجب الوضوء أثناء الطواف حول الكعبة أو مسّ المصحف الشريف، والوضوء لغةً من الوضاءة وهي النظافة والنضارة، وأمّا شرعًا فهو غسل وتطهير الأعضاء الأربعة، أي غسل الوجه ومنه المضمضة والاستنشاق، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس ومنه الأذنين، وغسل الرجلين إلى الكعبين، فقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ}،[١]وبما أنّ الإسلام دين يُسرٍ فقد كان للوضوء بعض الرُخص، منها المسح على الخفين، وهو ما سيتم توضيحه في هذا المقال، مع تسليط الضوء على مبطلات المسح على الخفين.[٢]

المسح على الخفين

في مستهلّ الحديث عن مبطلات المسح على الخفين وجب التعريف به، فالخفّ هو نعلٌ من الجلد يُغطي الكعبين، أو ما يقوم مقامه من الجورب وما يشابهه، والكعبان هما العظمتان الناتئتان من القدم، والمسح على الخفين هو تمرير باطن اليد المبللة بالماء مبسوطةً على الخفين أثناء الوضوء، في وقتٍ محددٍ شرعًا بدل غسل القدمين، وهو أمرٌ ثابتٌ بالأحاديث النبوية الصحيحة، إذ جاء في حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- أنّه قال: "عَنْ رَسولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- أنَّه خَرَجَ لِحاجَتِهِ فاتَّبَعَهُ المُغِيرَةُ بإداوَةٍ فيها ماءٌ فَصَبَّ عليه حِينَ فَرَغَ مِن حاجَتِهِ، فَتَوَضَّأَ ومَسَحَ علَى الخُفَّيْنِ"،[٣]وفي حديثٍ آخر قال: "كُنْتُ مع النبيِّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- في سَفَرٍ، فأهْوَيْتُ لأنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقالَ: دَعْهُمَا، فإنِّي أدْخَلْتُهُما طَاهِرَتَيْنِ، فَمَسَحَ عليهمَا"،[٤]كما تكثر الأحاديث الصحيحة التي تثبت أنّ المسح على الخفين جائزٌ في الإسلام وأنّه من الأمور المباحة شرعًا.[٥]

أمّا عن كيفية المسح على الخفين فقد ذهب غالبية أهل العلم إلى أنّ المسح على الخفين يكون من أعلى الخف فقط، وقد استندوا في رأيهم هذا على ما جاء في حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، فقد قال: "لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يمسح على ظاهر خفيه"،[٦]وقد أجاب الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- عند سؤاله عن كيفية المسح على الخفين، فقال: "كيفية المسح أن يمرَّ يده من أطراف أصابع الرِّجل إلى ساقه فقط، يعني أن الذي يُمسح هو أعلى الخف فيمر يده من عند أصابع الرِّجل إلى الساق فقط، ويكون المسح باليدين جميعًا على الرجلين جميعًا، يعني اليد اليمنى تَمسح الرِّجل اليمنى، واليد اليسرى تمسح الرِّجل اليسرى في نفس اللحظة"، والله تعالى أعلم.[٧]

شروط المسح على الخفين

قبل التعرّف على مبطلات المسح على الخفين لا بدّ من معرفة شروطه، فالمسح على الخفيين جائزٌ في الإسلام ولكن بعدّة شروط، يجب اجتماعها حتى يكون المسح عليهما مباحًا، وإلّا فيتوجب خلعهما وغسل القدمين ليصحّ الوضوء، وهذه الشروط هي:[٨]

  • يُشترط في المسح على الخفين أو ما يشابههما من الجوارب وغيره الطهارة والوضوء، فقد جاء في حديث صفوان بن عسال -رضي الله عنه- أنّه قال: "أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّه عليه وسلمَ- أن نمسحَ على الخفَّينِ إذا نحنُ أدخلناهُما على طُهرٍ".[٩]
  • يُشترط أن يكون الخفّ مباحًا في الإسلام، فلا يجوز المسح على الخفّ المصنوع من الحرير للرجال، أو المسح على الخفّ المأخوذ غصبًا، لأنّ المحرّم شرعًا لا رخصة له.
  • يُشترط أن يكون الخفّ ساترًا للكعبين، فلا يجوز المسح على الخفّ إذا لم يكن مغطيًّا لما يتوجب غسله من القدم أثناء الوضوء.
  • يجوز المسح على الجوربين والنعلين أو ما يقوم مقامهما، إذا توافرت فيهما الشروط السابقة، فقد ثبت في حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- أنّه قال: "أنَّه -عليه الصلاةُ والسلامُ- مسح على الجَورَبينِ والنعلينِ".[١٠]

مبطلات المسح على الخفين

تتجلى مبطلات المسح على الخفين في عدّة أمور، إذا حدث أحدها وجب على المرء أن يتوضأ ويغسل قدميه، ثم يرتدي الخفين على طهارة ووضوء، ولذا وجب التعرّف على مبطلات المسح على الخفين والتي تتلخّص فيما سيأتي:[١١]

  • في حالة وجوب الغسل: يُعدّ وجوب الغُسل -كالجنابة أو الحيض- أحد مبطلات المسح على الخفين، فقد جاء في نصّ الحديث الشريف: "أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّه عليه وسلمَ- أن نمسحَ على الخفَّينِ إذا نحنُ أدخلناهُما على طُهرٍ ثلاثًا إذا سافَرنا، ويومًا وليلةً إذا أقمْنا، ولا نخلعَها من غائطٍ ولا بولٍ ولا نومٍ، ولا نخلعَهما إلَّا من جَنابةٍ".[٩]
  • في حالة انقضاء المدة المحددة: انتهاء المدة المحددة للمسح يُعدّ أحد مبطلات المسح على الخفين، وهذه المدة بيّنها الحديث السابق بأنّها يومٌ وليلةٌ للمقيم، وثلاثة أيامٍ بلياليها للمسافر.
  • نزع الخفين والإحداث قبل لبسهما: فمن نزع خُفيه وأحدث حدثًا أصغر -كالبول أو الريح- ثمّ لبسهما دون وضوء، كان ذلك من مبطلات المسح على الخفين، لأنّه حينها لم يلبسهما على طهارة، وعليه إعادة الوضوء قبل لبسهما.

هل نزع الخفين ينقض الوضوء

بعد بيان مبطلات المسح على الخفين قد يتبادر للذهن سؤال هل نزع الخفين بعد المسح عليهما ينقض الوضوء؟، وقد اختلف أهل العلم في الحكم على من خلع خُفيه بعد المسح عليهما ما إذا كان وضوؤه صحيحًا أم لا، وكان لهم في هذه المسألة أربعة أحكام تتلخص فيما يأتي:[١٢]

  • الحكم الأول: ذهب بعض جمهور أهل العلم إلى أنّ خلع الخفين بعد المسح عليهما ينقض الوضوء، لذا يستوجب إعادته وغسل القدمين، وهو قول الإمام الشافعي قديمًا والشائع في المذهب الحنبلي.
  • الحكم الثاني: ذهب الحنفية إلى أنّ من خلع خُفيه بعد المسح عليهما يتوجب عليه مسح قدميه فقط، وهو القول الجديد للإمام الشافعي.
  • الحكم الثالث: وهو الراجح عند المالكية، بأنّ من نزع خُفيه بعد المسح عليهما يتوجب مسح قدميه فور خلعه لهما، فإن تأخّر بمسح قدميه يتوجب عليه إعادة الوضوء.
  • الحكم الرابع: وهو أنّ نزع الخفين بعد المسح عليهما لا ينقض الوضوء، ولا يتوجب عليه مسح القدمين أو إعادة الوضوء، وقد استدلّوا على ذلك بما جاء في حديث أبي ظبيان -رضي الله عنه-: "أنَّهُ رأى عليًّا -رضيَ اللَّهُ عنهُ- بالَ قائمًا، ثمَّ دعا بماءٍ، فتَوضَّأَ، ومسحَ علَى نعليهِ، ثمَّ دخلَ المسجدَ، فَخلعَ نعليهِ، ثمَّ صلَّى"،[١٣]وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية وابن حزم وهو القول الراجح، والله تعالى أعلم.

رأي الفقهاء في المسح على الخفين

اختلف الفقهاء في تحديد ما إذا كان المسح على الخفين أفضل أم غسل القدمين، فمنهم من قال بأنّ المسح وغسل القدمين سواء لا اختلاف بينهما، فقد كثُرت الأحاديث التي تؤكّد أن الرسول الكريم قام بالغسل تارةً، وبالمسح تارةً أُخرى ولم يفرّق بينهما، وذهب بعضهم كالإمام الشافعي وأبو حنيفة والإمام مالك -رحمهم الله- إلى أنّ غسل القدمين أفضل، وذلك لأنّ الأصل في الوضوء غسل القدمين، أمّا الإمام أحمد فقد ذهب إلى أنّ المسح على الخفين أفضل، وأسند رأيه على عدّة نقاط وهي كما يأتي:[١٤]

  • لأنّ الإسلام دين يُسر: والمسح على الخفين أيسر على المرء من خلعهما وغسل قدميه، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يختار من الأمرين أيسرهما، فقد جاء في حديث عائشة -رضي الله عنها- أنّها قالت: "ما خُيِّرَ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- بيْنَ أمْرَيْنِ إلَّا أخَذَ أيْسَرَهُمَا، ما لَمْ يَكُنْ إثْمًا".[١٥]
  • لأنّ المسح رُخصة: فقد جاء في نصّ الحديث الشريف، أنّ رسول الله -عليه الصلاة والسلام- قال: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ".[١٦]
  • لأنّ فيه مخالفة لأهل البدع: فمن الطوائف والفرق الإسلامية من يُنكر المسح على الخفين، كالخوارج والروافض وغيرهم، والمسح على الخفين مخالفةٌ لهم، والله تعالى أعلم.

المراجع[+]

  1. سورة المائدة، آية: 06.
  2. "الوضوء في اللغة والشرع"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 26-09-2019. بتصرّف.
  3. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن المغيرة بن شعبة ، الصفحة أو الرقم: 274، صحيح.
  4. رواه البخاري، في صحيح البخاري ، عن المغيرة بن شعبة ، الصفحة أو الرقم: 206، صحيح.
  5. "المسح على الخفين: تعريفه ومشروعيته"، www.alukah.net. بتصرّف.
  6. رواه أبو داود، في سنن أبي داود، عن علي بن أبي طالب ، الصفحة أو الرقم: 162، سكت عنه [وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح].
  7. "كيفية المسح على الجوربين"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 26-09-2019. بتصرّف.
  8. "أحكام المسح على الخفين ونواقض الوضوء "، www.ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 26-09-2019. بتصرّف.
  9. ^ أ ب رواه الخطابي، في شرح الزركشي على مختصر الخرقي، عن صفوان بن عسال ، الصفحة أو الرقم: 1/380، إسناده صحيح.
  10. رواه ابن باز، في فتاوى نور على الدرب لابن باز، عن المغيرة بن شعبة ، الصفحة أو الرقم: 5/180 ، ثابت.
  11. "نواقض المسح على الخفين"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 26-09-2019. بتصرّف.
  12. "هل نزع الخفين يبطل الوضوء؟"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 26-09-2019. بتصرّف.
  13. رواه العيني، في نخب الافكار، عن أبي ظبيان ، الصفحة أو الرقم: 2/294 ، إسناده صحيح.
  14. "هل المسح على الخفين أفضل أم غسل القدمين؟"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 26-09-2019. بتصرّف.
  15. رواه البخاري، في صحيح البخاري ، عن عائشة أم المؤمنين ، الصفحة أو الرقم: 3560، صحيح.
  16. رواه ابن باز، في جموع فتاوى ابن باز، عن عبدالله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 238/15، ثابت.