ما هو الانتماء

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:١١ ، ٢٤ أكتوبر ٢٠١٩
ما هو الانتماء

مفهوم حب الوطن

إن حب الوطن فِطْرة في داخل كل إنسان، ينبض به قلبه، ويجري به دمه، حتى ولو كان الوطنُ كثبانَ رملٍ بصحراء، أو تعرض فيه للأذى والبلاء، وإن غادر الإنسان وطنَه لضرورة يبقى الشوق والحنينُ إليه ساكنًا في نفسه ووجدانِه، فالوطن فيه ذكرياتٌ لا تُنسى، قال الغزالي: "والبشر يألَفُون أرضَهم على ما بها، ولو كانت قفرًا مستوحَشًا، وحبُّ الوطن غريزةٌ متأصِّلة في النفوس، تجعل الإنسانَ يستريح إلى البقاء فيه، ويحنُّ إليه إذا غاب عنه، ويدافع عنه إذا هُوجِم، ويَغضب له إذا انتقص"، والوطن مرتعُ الصِّبا ومَدْرجُ الخُطى وأرضُ النشأة ومهدُ التاريخ في مبتدئه وملجؤُه في منتهاه، وستتم الإجابة عن سؤال: ما هو الانتماء، في هذا المقال.[١]

ما هو الانتماء

للإجابة عن سؤال: ما هو الانتماء، يجب تعريفه، وهو بمفهومه بشكل مبسط، يقصد به الانسجام والارتباط، والإيمان مع المنتمي إليه وبه، وعندما يفتقد الانتماء لذلك، يصبح ذا خلل، وبهذا تسقط صفة الانتماء، وهذا هو المفهوم البسيط، وللإجابة عن سؤال: ما هو الانتماء، بشكل مفصل، يجب تعريفه بشكل مثرٍ، وهو: النزعة التي تدفع المرء للدخول في إطار اجتماعي فكري معين بما يقتضيه هذا من التوقف على معايير وقواعد هذا الإطار ونصرته والدفاع عنه في مقابل غيره من الأطر الاجتماعية والفكرية الأخرى، وقد ورد في معجم العلوم الاجتماعية أن الانتماء هو: ارتباط الفرد بجماعة، حيث يرغب في الانتماء إلى مجموعة قوية يتقمص شخصيتها، ويعد نفسه ممثلًا عنها، ويوحد نفسه بها مثل الأسرة أو النادي أو الشركة.[٢]

ويجب على الفرد أن يعي ما يحدث من حوله، وأن يعلم توجهه وأثره عليه على المدى البعيد، لينطبق ذلك على انتمائه، إن كان لفكرة ما، أو حتى لوطنه، فإن من أشد أنواع الجهل خطورة: جهل الإنسان بنفسه، لأنه يسبب له الكثير من الارتباك، ويشوه تعامله مع الله جلَّ وعلا، ومع الناس، كما يحرمه من معرفة الفرص المتاحة له، والأخطار التي تهدده، وهكا تكون قد تمت الإجابة عن سؤال: ما هو الانتماء.[٣]

فطرة الانتماء للوطن والأصل

بعد الإجابة عن سؤال: ما هو الانتماء، يجب معرفة العلاقة بين الانتماء والفطرة، فإن سنة الله تعالى وفطرته في خلقه أنَّ الأوطان محببةٌ إلى القلوب وأثيرةٌ في النفوس، يقول الأصمعي: "ثلاثُ خصالٍ في ثلاثة أصنافٍ: الإبلُ تحنُّ إلى أوطانها وإن كان عهدُهَا بها بعيدًا، والطيرُ إلى وكره وإن كان موضعه مجدبًا، والإنسان إلى وطنه، وإن كان غيرُه أكثر نفعًا"، وفي قول الله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ}.[٤]

قال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير ذلك: "قالوا: كان موسى -عليه السلام- قد اشتاق إلى بلاده وأهله، فعزم على زيارتهم في خفيةٍ من فرعون وقومه، فتحمَّلَ بأهله وما كان معه من الغنم التي وهبها له صهره فسلك بهم في ليلة مطيرةٍ مظلمةٍ باردةٍ"[٥]، وإن الحيوانات لَتحب مواطنها وتشتاقها بوحيٍ من هدى الخلاق العليم لها دونما قائدٍ أو مُلهمٍ إلا من إلهام الله لها، قال تعالى: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}[٦]، فلا عجب إن تعلق الإنسان بوطنه، وبكاه شوقًا إن كان مغتربًا، وقبّل ترابه إن عاد إليه! فإن العرب كان أحدهم إذا سافرَ يأخذ صُرَّةً من ترابِ وطنه فإذا غاب كان يُعفِّرُ به وجهَهُ ويستنشِقه![٧]

معالم نبوية عن الانتماء للوطن

للإجابة عن سؤال: ما هو الانتماء، يجب الوقوف على بعض الدروس النبوية حول الانتماء، فقد كان حب الوطن عند سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يملِكُ عليه إِسَارَهُ ويغالِبُهُ ليلَهُ ونهارَهُ، وأنعِمْ به من وفاءٍ للوطنِ يعزُّ عن الوصف في حياة الخلق، فعن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- قال: "لما خرجَ رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- من مكةَ قال: أمَا واللهِ إني لأَخرجُ منكِ وإني لأعلمُ أنك أحبّ بلادِ اللهِ إلى اللهِ، وأكرمهُ على اللهِ، ولولا أهلكِ أخرجُوني منك ما خَرجتُ!"[٨]، وفي هذا أكبر إجابة عن سؤال: ما هو الانتماء.[٧]

وعندما هاجر الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- اشتد به الشوقُ إلى مسقط رأسه وموطنه مكةَ وهو في منطقة تسمى الجحفة، فأنزل الله تعالى عليه هذه الآية -على قول بعض المفسرين-: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ}، قال مقاتل: "خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- من الغار ليلًا مُهَاجرًا إلى المدينة في غير طريقٍ مخافَةَ الطَّلَبِ، فلما رجع إلى الطريق ونزل الجُحْفَةَ عرفَ الطريق إلى مكةَ فاشتاق إليها، فتلا جبريل -عليه السلام- هذه الآية"، وقد اتصل النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- حتى مع جبلٍ أصمّ، من موطنه ذي البركة في المدينة الطاهرة، إذ أعرب عن حبه لجبل أحد.[٧]

الانتماء للعائلة والعشيرة

كان العرب ولا يزالون ينسبون أنفسهم لقبائلهم، والعجم من غيرهم ينتسبون إلى شعوبهم، وقد جعل الله تعالى ذلك مألوفًا، للتعارف والتآلف، وكَرَمُ الإنسان عند الله جل وعز تقواه، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[٩]، فللقبيلة والعشيرة فضل عظيمٌ في الحفاظ على الفردِ والمجتمع، مما يعود نفعُ ذلك على الوطنِ، فقد احتاج لوط عليه السلام في أحلك الظروف إلى قبيلة تحميه، وركنٍ يؤويه، ليدافعَ عن أضيافه، لما هجم عليه الرَّعاع والسَّفِلةُ، قال تعالى {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ}[١٠]، [١١]

وما منع قومَ شعيبٍ -عليه السلام- من التعرُّض له إلا قبيلتُه ورهطُه، إذ دعا قومه إلى التوحيد، وأمرهم بالإنصاف وعدم الظلم، فضجروا من تهديده ووعيده، وتخويفه من عقاب الله، فلما أطال عليهم الكلام {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ}[١٢]، وقد منع المشركين من التعرض للنبي -صلى الله عليه وسلم- قبيلتُه قريش وعمُّه أبو طالب الذي يدافع عنه عصبيةً، وإن الانتماء للعائلة أحد أهم بنود الإجابة عن سؤال: ما هو الانتماء.[١١]

المراجع[+]

  1. "حب الوطن من دروس الهجرة النبوية"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 21-10-2019. بتصرّف.
  2. سناء محمد سليمان، سيكولوجية الحب والانتماء، القاهرة: عالم الكتب، صفحة 115. بتصرّف.
  3. "الانتماء وعدم الانتماء"، www.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 21-10-2019. بتصرّف.
  4. سورة القصص، آية: 29.
  5. الإمام ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع، صفحة 243، جزء 3. بتصرّف.
  6. سورة طه، آية: 50.
  7. ^ أ ب ت "الانتماء وحب الأوطان"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 21-10-2019. بتصرّف.
  8. رواه ابن عبد البر، في التمهيد، عن عبد الله بن العباس، الصفحة أو الرقم: 6/33.
  9. سورة الحجرات، آية: 13.
  10. سورة هود، آية: 80.
  11. ^ أ ب "الانتِمَاءُ للقَبيلَةِ وَالعَائِلَةِ أَمرٌ فِطريٌّ مَطلُوبٌ، والتَّعَصُّبُ أَمرٌ مَحذُورٌ مَذمُومٌ "، www.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 21-10-2019. بتصرّف.
  12. سورة هود، آية: 90.