سيدنا إبراهيم عليه السلام قَصَّ الله -سبحانه وتعالى- على سيّدنا محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- بعض قصص الأنبياء السّابقين؛ لحكمٍ كثيرةٍ منها: تثبيت فؤاده -صلّى الله عليه وسلّم- في مواجهة أعداء الدعوة الإسلامية، ووعظ المؤمنين وغيرهم، ومن تلك القصص قصة سيدنا إبراهيم -عليه السّلام-، أبو الأنبياء وأحد الخمسة أولي العزم الوارد ذكرهم في قوله تعالى: "وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا" (({الأحزاب: الآية 7}))، وفيما يأتي تعريفٌ موجز بقصة سيدنا إبراهيم -عليه السّلام-، وذكر بعض ما يستفاد منها من عبر وعظات. ((ترتيب أولي العزم من الرسل حسب الأفضلية، "fatwa.islamweb.net"، اطلع عليه بتاريخ 11-11-2018، بتصرّف. )) قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام وُلدَ ونشأ سيدنا إبراهيم -عليه السّلام- في أرض بابل في العراق، وكان قومه يعبدون الأصنام والكواكب، وكان أبوه آزر يصنع الأصنام، ويبيعها لقومه، ويعبدها معهم، ورغم ذلك لم يعبد إبراهيم -عليه السّلام- شيئًا منذ ذلك، فقد عصمه الله -سبحانه وتعالى-، وآتاه منذ صغره عقلًا رشيدًا، أعانه على إدراك فساد معتقداتهم، قال تعالى: "وَلَقَد آتَينا إِبراهيمَ رُشدَهُ مِن قَبلُ وَكُنّا بِهِ عالِمينَ"، (({الأنبياء: الآية 51})) وعندما بعثه الله -سبحانه وتعالى- رسولًا إلى النّاس، بدأ بدعوة أبيه بألطف عبارة، داعيًا إياه إلى تحكيم العقل، مبينًا له بُطلان ما هو عليه من عبادة الأصنام ؛ فهي مجرد تماثيل لا تسمع ولا تبصر، ولا تجلب نفعًا و لا تدفع ضرًا، قال تعالى : "وَاذكُر فِي الكِتابِ إِبراهيمَ إِنَّهُ كانَ صِدّيقًا نَبِيًّا ،إِذ قالَ لِأَبيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعبُدُ ما لا يَسمَعُ وَلا يُبصِرُ وَلا يُغني عَنكَ شَيئًا، يا أَبَتِ إِنّي قَد جاءَني مِنَ العِلمِ ما لَم يَأتِكَ فَاتَّبِعني أَهدِكَ صِراطًا سَوِيًّا ،يا أَبَتِ لا تَعبُدِ الشَّيطانَ إِنَّ الشَّيطانَ كانَ لِلرَّحمـنِ عَصِيًّا ،يا أَبَتِ إِنّي أَخافُ أَن يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحمـنِ فَتَكونَ لِلشَّيطانِ وَلِيًّا" (({مريم: الآية 41-45}))، إلّا أنّ أباه قد قابل دعوته بالرفض والتهديد والوعيد، قال تعالى: " قالَ أَراغِبٌ أَنتَ عَن آلِهَتي يا إِبراهيمُ لَئِن لَم تَنتَهِ لَأَرجُمَنَّكَ وَاهجُرني مَلِيًّا"، (({مريم: الآية 46}))، ((البداية والنهاية، ابن كثير، ج1 ص 325 وما بعدها، بتصرّف.)) وكذلك فعل قومه رغم دعوته لهم مرارًا وتكرارًا، فأراد إبراهيم -عليه السّلام- أن يثبت لهم بالبرهان العملي بطلان معتقداتهم، فقام بتكسير الأصنام إلّا الصنم الكبير، إذ علق الفأس عليه لعلّهم يسألونه عن الذي حطّم أصنامهم، قال تعالى: "فَجَعَلَهُم جُذاذًا إِلّا كَبيرًا لَهُم لَعَلَّهُم إِلَيهِ يَرجِعونَ " (({الأنبياء: الآية 58}))، وقال تعالى: "فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ، مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ، فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ" (({الصافات: الآية 91-93}))، ولمّا رجعوا من عيدهم الذي يخرجون فيه للسياحة والنزهة، ووجدوا أصنامهم محطّمة، غضبوا غضبًا شديدًا، واتهموا إبراهيم -عليه السّلام- بتحطيمها، ولمّا سألوه أجابهم بقوله: "بَل فَعَلَهُ كَبيرُهُم هـذا فَاسأَلوهُم إِن كانوا يَنطِقونَ" (({الأنبياء: الآية 63}))، ومُراد إبراهيم -عليه السّلام- من ذلك أن يُبيّن لهم عجز أصنامهم؛ فهي لاتنطق، ولا تستطيع حتى ان تدافع عن نفسها، وقد أقر القوم بعجزها؛ حيث قالوا: "لَقَد عَلِمتَ ما هـؤُلاءِ يَنطِقونَ "؛ (({الأنبياء: الآية 65})) فرد عليهم إبراهيم -عليه السّلام- بقوله: "أَفَتَعبُدونَ مِن دونِ اللَّـهِ ما لا يَنفَعُكُم شَيئًا وَلا يَضُرُّكُم، أُفٍّ لَكُم وَلِما تَعبُدونَ مِن دونِ اللَّـهِ أَفَلا تَعقِلونَ" (({الأنبياء: الآية 67-67}))، وبدلًا من أنْ يستجيبوا للحق استكبروا وكابروا، وتواصوا فيما بينهم بحرق إبراهيم -عليه السّلام- نُصْرَةً لأصنامهم، قال تعالى: "قالوا حَرِّقوهُ وَانصُروا آلِهَتَكُم إِن كُنتُم فاعِلينَ"، (({الأنبياء: الآية 68})) وقد أجمعوا على ذلك، فجمعوا حطبًا كثيرًا، وأشعلوه نارًا ثم ألقوا إبراهيم -عليه السّلام- في تلك النار، ولكنّ الله أنجاه منها، قال تعالى: "قُلنا يا نارُ كوني بَردًا وَسَلامًا عَلى إِبراهيمَ ، وَأَرادوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلناهُمُ الأَخسَرينَ" (({الأنبياء: الآية 69، 70})). ورغم رؤيتهم لتلك المعجزة التي حدثت أمام أعينهم، إلا أنّهم استمروا في كفرهم وطغيانهم، فلمّا لم يجد إبراهيم -عليه السّلام- منهم قبولًا لدعوته، هاجر ومعه زوجته سارة وابن أخيه لوط -عليه السّلام- من بابل في العراق إلى الشام، ومنها إلى مصر، ثمّ عاد إلى الشام، وأقام مع زوجته سارة في فلسطين، ثم تزوج من هاجر وأنجب منها إسماعيل -عليه السّلام- ،ورحل بهما إلى مكة، وهناك تركهما -بأمر الله سبحانه وتعالى- بواد غير ذي زرع، وقد تكفل الله بحفظهما، وبعد مُدة رأى إبراهيم في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل -عليه السّلام-، قال تعالى: "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ"، (({الصافات: الآية 102-107})) وقد بشره الله -سبحانه وتعالى- بعد تلك الحادثة بإسحاق -عليه السّلام-؛ تكريمًا له ولزوجته سارة، ثم أمره ببناء ورفع قواعد بيت الله الحرام في مكة المكرمة، فكان إبراهيم يبني وولده إسماعيل يناوله الحجارة. ((إبراهيم عليه السلام، "islamqa.info"، اطلع عليه بتاريخ 11-11-2018، بتصرّف.)) مضامين قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام ممّا تضمّنته قصة سيدنا إبراهيم -عليه السلام- حرصه على نفع قومه، بتوعيتهم ودعوتهم إلى الحقّ والخير والصواب، مستخدمًا أسلوب الإقناع بالحجج والبراهين الدامغة، ونبذه التقليد الأعمى، وصبره وثباته عند الشدائد، وثقته بالله سبحانه وتعالى، وصدق طاعته له، وتوكله عليه، ومما تضمنته أيضًا قصة سيدنا إبراهيم -عليه السلام- حرصه على بر والديه، من خلال استعماله لأرق الألفاظ في مخاطبة والده، وحواره معه بكل أدب وتودّد وتلطف، وحرصه الشديد على ما ينفعه، وعلى إرادة الخير له. ((دروس من إيجابية الخليل عليه السلام، "www.alukah.net"، اطلع عليه بتاريخ 11-11-2018، بتصرّف.)) مواضع ذكر قصة سيدنا إبراهيم في القرآن ذُكِرَتْ قصة سيدنا إبراهيم -عليه السّلام- في سور: البقرة والأنعام وهود وإبراهيم والحجر ومريم والأنبياء والشعراء والعنكبوت والصافات والذاريات. ((آيات عن إبراهيم عليه السلام، "www.alukah.net"، اطلع عليه بتاريخ 11-11-2018، بتصرّف.))، ومن المواضع التي ذُكِرت فيها قصة سيدنا إبراهيم -عليه السلام-، قوله تعالى في سورة الأنعام : "وَإِذ قالَ إِبراهيمُ لِأَبيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصنامًا آلِهَةً إِنّي أَراكَ وَقَومَكَ في ضَلالٍ مُبينٍ ،وَكَذلِكَ نُري إِبراهيمَ مَلَكوتَ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَلِيَكونَ مِنَ الموقِنينَ، فَلَمّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَأى كَوكَبًا قالَ هـذا رَبّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلينَ ،فَلَمّا رَأَى القَمَرَ بازِغًا قالَ هـذا رَبّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِن لَم يَهدِني رَبّي لَأَكونَنَّ مِنَ القَومِ الضّالّينَ ،فَلَمّا رَأَى الشَّمسَ بازِغَةً قالَ هـذا رَبّي هـذا أَكبَرُ فَلَمّا أَفَلَت قالَ يا قَومِ إِنّي بَريءٌ مِمّا تُشرِكونَ، إِنّي وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذي فَطَرَ السَّماواتِ وَالأَرضَ حَنيفًا وَما أَنا مِنَ المُشرِكينَ ،وَحاجَّهُ قَومُهُ قالَ أَتُحاجّونّي فِي اللَّـهِ وَقَد هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشرِكونَ بِهِ إِلّا أَن يَشاءَ رَبّي شَيئًا وَسِعَ رَبّي كُلَّ شَيءٍ عِلمًا أَفَلا تَتَذَكَّرونَ، وَكَيفَ أَخافُ ما أَشرَكتُم وَلا تَخافونَ أَنَّكُم أَشرَكتُم بِاللَّـهِ ما لَم يُنَزِّل بِهِ عَلَيكُم سُلطانًا فَأَيُّ الفَريقَينِ أَحَقُّ بِالأَمنِ إِن كُنتُم تَعلَمونَ، الَّذينَ آمَنوا وَلَم يَلبِسوا إيمانَهُم بِظُلمٍ أُولـئِكَ لَهُمُ الأَمنُ وَهُم مُهتَدونَ ،وَتِلكَ حُجَّتُنا آتَيناها إِبراهيمَ عَلى قَومِهِ نَرفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكيمٌ عَليمٌ ،وَوَهَبنا لَهُ إِسحاقَ وَيَعقوبَ كُلًّا هَدَينا وَنوحًا هَدَينا مِن قَبلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ داوودَ وَسُلَيمانَ وَأَيّوبَ وَيوسُفَ وَموسى وَهارونَ وَكَذلِكَ نَجزِي المُحسِنينَ". (({الأنعام: الآية 74-84}))

قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام

قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام

بواسطة: - آخر تحديث: 18 نوفمبر، 2018

سيدنا إبراهيم عليه السلام

قَصَّ الله -سبحانه وتعالى- على سيّدنا محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- بعض قصص الأنبياء السّابقين؛ لحكمٍ كثيرةٍ منها: تثبيت فؤاده -صلّى الله عليه وسلّم- في مواجهة أعداء الدعوة الإسلامية، ووعظ المؤمنين وغيرهم، ومن تلك القصص قصة سيدنا إبراهيم -عليه السّلام-، أبو الأنبياء وأحد الخمسة أولي العزم الوارد ذكرهم في قوله تعالى: “وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا” 1){الأحزاب: الآية 7}، وفيما يأتي تعريفٌ موجز بقصة سيدنا إبراهيم -عليه السّلام-، وذكر بعض ما يستفاد منها من عبر وعظات. 2)ترتيب أولي العزم من الرسل حسب الأفضلية، “fatwa.islamweb.net”، اطلع عليه بتاريخ 11-11-2018، بتصرّف. 

قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام

وُلدَ ونشأ سيدنا إبراهيم -عليه السّلام- في أرض بابل في العراق، وكان قومه يعبدون الأصنام والكواكب، وكان أبوه آزر يصنع الأصنام، ويبيعها لقومه، ويعبدها معهم، ورغم ذلك لم يعبد إبراهيم -عليه السّلام- شيئًا منذ ذلك، فقد عصمه الله -سبحانه وتعالى-، وآتاه منذ صغره عقلًا رشيدًا، أعانه على إدراك فساد معتقداتهم، قال تعالى: “وَلَقَد آتَينا إِبراهيمَ رُشدَهُ مِن قَبلُ وَكُنّا بِهِ عالِمينَ”، 3){الأنبياء: الآية 51} وعندما بعثه الله -سبحانه وتعالى- رسولًا إلى النّاس، بدأ بدعوة أبيه بألطف عبارة، داعيًا إياه إلى تحكيم العقل، مبينًا له بُطلان ما هو عليه من عبادة الأصنام ؛ فهي مجرد تماثيل لا تسمع ولا تبصر، ولا تجلب نفعًا و لا تدفع ضرًا، قال تعالى : “وَاذكُر فِي الكِتابِ إِبراهيمَ إِنَّهُ كانَ صِدّيقًا نَبِيًّا ،إِذ قالَ لِأَبيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعبُدُ ما لا يَسمَعُ وَلا يُبصِرُ وَلا يُغني عَنكَ شَيئًا، يا أَبَتِ إِنّي قَد جاءَني مِنَ العِلمِ ما لَم يَأتِكَ فَاتَّبِعني أَهدِكَ صِراطًا سَوِيًّا ،يا أَبَتِ لا تَعبُدِ الشَّيطانَ إِنَّ الشَّيطانَ كانَ لِلرَّحمـنِ عَصِيًّا ،يا أَبَتِ إِنّي أَخافُ أَن يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحمـنِ فَتَكونَ لِلشَّيطانِ وَلِيًّا” 4){مريم: الآية 41-45}، إلّا أنّ أباه قد قابل دعوته بالرفض والتهديد والوعيد، قال تعالى: ” قالَ أَراغِبٌ أَنتَ عَن آلِهَتي يا إِبراهيمُ لَئِن لَم تَنتَهِ لَأَرجُمَنَّكَ وَاهجُرني مَلِيًّا”، 5){مريم: الآية 46}، 6)البداية والنهاية، ابن كثير، ج1 ص 325 وما بعدها، بتصرّف.

وكذلك فعل قومه رغم دعوته لهم مرارًا وتكرارًا، فأراد إبراهيم -عليه السّلام- أن يثبت لهم بالبرهان العملي بطلان معتقداتهم، فقام بتكسير الأصنام إلّا الصنم الكبير، إذ علق الفأس عليه لعلّهم يسألونه عن الذي حطّم أصنامهم، قال تعالى: “فَجَعَلَهُم جُذاذًا إِلّا كَبيرًا لَهُم لَعَلَّهُم إِلَيهِ يَرجِعونَ ” 7){الأنبياء: الآية 58}، وقال تعالى: “فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ، مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ، فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ” 8){الصافات: الآية 91-93}، ولمّا رجعوا من عيدهم الذي يخرجون فيه للسياحة والنزهة، ووجدوا أصنامهم محطّمة، غضبوا غضبًا شديدًا، واتهموا إبراهيم -عليه السّلام- بتحطيمها، ولمّا سألوه أجابهم بقوله: “بَل فَعَلَهُ كَبيرُهُم هـذا فَاسأَلوهُم إِن كانوا يَنطِقونَ” 9){الأنبياء: الآية 63}، ومُراد إبراهيم -عليه السّلام- من ذلك أن يُبيّن لهم عجز أصنامهم؛ فهي لاتنطق، ولا تستطيع حتى ان تدافع عن نفسها، وقد أقر القوم بعجزها؛ حيث قالوا: “لَقَد عَلِمتَ ما هـؤُلاءِ يَنطِقونَ “؛ 10){الأنبياء: الآية 65} فرد عليهم إبراهيم -عليه السّلام- بقوله: “أَفَتَعبُدونَ مِن دونِ اللَّـهِ ما لا يَنفَعُكُم شَيئًا وَلا يَضُرُّكُم، أُفٍّ لَكُم وَلِما تَعبُدونَ مِن دونِ اللَّـهِ أَفَلا تَعقِلونَ” 11){الأنبياء: الآية 67-67}، وبدلًا من أنْ يستجيبوا للحق استكبروا وكابروا، وتواصوا فيما بينهم بحرق إبراهيم -عليه السّلام- نُصْرَةً لأصنامهم، قال تعالى: “قالوا حَرِّقوهُ وَانصُروا آلِهَتَكُم إِن كُنتُم فاعِلينَ”، 12){الأنبياء: الآية 68} وقد أجمعوا على ذلك، فجمعوا حطبًا كثيرًا، وأشعلوه نارًا ثم ألقوا إبراهيم -عليه السّلام- في تلك النار، ولكنّ الله أنجاه منها، قال تعالى: “قُلنا يا نارُ كوني بَردًا وَسَلامًا عَلى إِبراهيمَ ، وَأَرادوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلناهُمُ الأَخسَرينَ” 13){الأنبياء: الآية 69، 70}.

ورغم رؤيتهم لتلك المعجزة التي حدثت أمام أعينهم، إلا أنّهم استمروا في كفرهم وطغيانهم، فلمّا لم يجد إبراهيم -عليه السّلام- منهم قبولًا لدعوته، هاجر ومعه زوجته سارة وابن أخيه لوط -عليه السّلام– من بابل في العراق إلى الشام، ومنها إلى مصر، ثمّ عاد إلى الشام، وأقام مع زوجته سارة في فلسطين، ثم تزوج من هاجر وأنجب منها إسماعيل -عليه السّلام– ،ورحل بهما إلى مكة، وهناك تركهما -بأمر الله سبحانه وتعالى- بواد غير ذي زرع، وقد تكفل الله بحفظهما، وبعد مُدة رأى إبراهيم في المنام أنه يذبح ابنه إسماعيل -عليه السّلام-، قال تعالى: “فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّـهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ”، 14){الصافات: الآية 102-107}

وقد بشره الله -سبحانه وتعالى- بعد تلك الحادثة بإسحاق -عليه السّلام-؛ تكريمًا له ولزوجته سارة، ثم أمره ببناء ورفع قواعد بيت الله الحرام في مكة المكرمة، فكان إبراهيم يبني وولده إسماعيل يناوله الحجارة. 15)إبراهيم عليه السلام، “islamqa.info”، اطلع عليه بتاريخ 11-11-2018، بتصرّف.

مضامين قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام

ممّا تضمّنته قصة سيدنا إبراهيم -عليه السلام- حرصه على نفع قومه، بتوعيتهم ودعوتهم إلى الحقّ والخير والصواب، مستخدمًا أسلوب الإقناع بالحجج والبراهين الدامغة، ونبذه التقليد الأعمى، وصبره وثباته عند الشدائد، وثقته بالله سبحانه وتعالى، وصدق طاعته له، وتوكله عليه، ومما تضمنته أيضًا قصة سيدنا إبراهيم -عليه السلام- حرصه على بر والديه، من خلال استعماله لأرق الألفاظ في مخاطبة والده، وحواره معه بكل أدب وتودّد وتلطف، وحرصه الشديد على ما ينفعه، وعلى إرادة الخير له. 16)دروس من إيجابية الخليل عليه السلام، “www.alukah.net”، اطلع عليه بتاريخ 11-11-2018، بتصرّف.

مواضع ذكر قصة سيدنا إبراهيم في القرآن

ذُكِرَتْ قصة سيدنا إبراهيم -عليه السّلام- في سور: البقرة والأنعام وهود وإبراهيم والحجر ومريم والأنبياء والشعراء والعنكبوت والصافات والذاريات. 17)آيات عن إبراهيم عليه السلام، “www.alukah.net”، اطلع عليه بتاريخ 11-11-2018، بتصرّف.، ومن المواضع التي ذُكِرت فيها قصة سيدنا إبراهيم -عليه السلام-، قوله تعالى في سورة الأنعام : “وَإِذ قالَ إِبراهيمُ لِأَبيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصنامًا آلِهَةً إِنّي أَراكَ وَقَومَكَ في ضَلالٍ مُبينٍ ،وَكَذلِكَ نُري إِبراهيمَ مَلَكوتَ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَلِيَكونَ مِنَ الموقِنينَ، فَلَمّا جَنَّ عَلَيهِ اللَّيلُ رَأى كَوكَبًا قالَ هـذا رَبّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلينَ ،فَلَمّا رَأَى القَمَرَ بازِغًا قالَ هـذا رَبّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِن لَم يَهدِني رَبّي لَأَكونَنَّ مِنَ القَومِ الضّالّينَ ،فَلَمّا رَأَى الشَّمسَ بازِغَةً قالَ هـذا رَبّي هـذا أَكبَرُ فَلَمّا أَفَلَت قالَ يا قَومِ إِنّي بَريءٌ مِمّا تُشرِكونَ، إِنّي وَجَّهتُ وَجهِيَ لِلَّذي فَطَرَ السَّماواتِ وَالأَرضَ حَنيفًا وَما أَنا مِنَ المُشرِكينَ ،وَحاجَّهُ قَومُهُ قالَ أَتُحاجّونّي فِي اللَّـهِ وَقَد هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشرِكونَ بِهِ إِلّا أَن يَشاءَ رَبّي شَيئًا وَسِعَ رَبّي كُلَّ شَيءٍ عِلمًا أَفَلا تَتَذَكَّرونَ، وَكَيفَ أَخافُ ما أَشرَكتُم وَلا تَخافونَ أَنَّكُم أَشرَكتُم بِاللَّـهِ ما لَم يُنَزِّل بِهِ عَلَيكُم سُلطانًا فَأَيُّ الفَريقَينِ أَحَقُّ بِالأَمنِ إِن كُنتُم تَعلَمونَ، الَّذينَ آمَنوا وَلَم يَلبِسوا إيمانَهُم بِظُلمٍ أُولـئِكَ لَهُمُ الأَمنُ وَهُم مُهتَدونَ ،وَتِلكَ حُجَّتُنا آتَيناها إِبراهيمَ عَلى قَومِهِ نَرفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكيمٌ عَليمٌ ،وَوَهَبنا لَهُ إِسحاقَ وَيَعقوبَ كُلًّا هَدَينا وَنوحًا هَدَينا مِن قَبلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ داوودَ وَسُلَيمانَ وَأَيّوبَ وَيوسُفَ وَموسى وَهارونَ وَكَذلِكَ نَجزِي المُحسِنينَ“. 18){الأنعام: الآية 74-84}

المراجع

1. {الأحزاب: الآية 7}
2. ترتيب أولي العزم من الرسل حسب الأفضلية، “fatwa.islamweb.net”، اطلع عليه بتاريخ 11-11-2018، بتصرّف. 
3. {الأنبياء: الآية 51}
4. {مريم: الآية 41-45}
5. {مريم: الآية 46}
6. البداية والنهاية، ابن كثير، ج1 ص 325 وما بعدها، بتصرّف.
7. {الأنبياء: الآية 58}
8. {الصافات: الآية 91-93}
9. {الأنبياء: الآية 63}
10. {الأنبياء: الآية 65}
11. {الأنبياء: الآية 67-67}
12. {الأنبياء: الآية 68}
13. {الأنبياء: الآية 69، 70}
14. {الصافات: الآية 102-107}
15. إبراهيم عليه السلام، “islamqa.info”، اطلع عليه بتاريخ 11-11-2018، بتصرّف.
16. دروس من إيجابية الخليل عليه السلام، “www.alukah.net”، اطلع عليه بتاريخ 11-11-2018، بتصرّف.
17. آيات عن إبراهيم عليه السلام، “www.alukah.net”، اطلع عليه بتاريخ 11-11-2018، بتصرّف.
18. {الأنعام: الآية 74-84}