قصر الحمراء في الأندلس

بواسطة: - آخر تحديث: ١٥:٢٧ ، ١٠ يوليو ٢٠١٩
قصر الحمراء في الأندلس

غرناطة

غرناطة إحدى أعضاء الأمّة الذي بُتِرَ منها، إنّه لم يخطِئ من قال إنّها قصرُ الحمراء؛ لأنّه بلا منازع المعلم الأعرق في شهادته على حضارة المسلمين منذ تشييده في القرن الثّامن بهندسة أسطورية فريدة من نوعها، تتيح إطلالات خياليّة من أعلى قمم المدينة، لكن ومع كل أماكن الجمال التي يحتلّها هذا القصر البديع، الذي يجلب سنويًّا مليونَيْ سائح من مختلف بلاد العالم، غير أنّه من الظّلم إنكار بقيّة المباني التّاريخية، والمواقع التّراثيّة التي يتوسّط معظمها المدينة العتيقة وأسواقها، والتي تشهد على ماضيها الإسلاميّ المخبّأ في ثنايا الطّراز الأندلسيّ، والذي أبهر العالم، ولا يزال، والذي وصفه خبراء روائع الحضارات بالعصر الذّهبي للدّولة الإسلاميّة في القرون الوسطى، وتاليًا حديث حول قصر الحمراء في الأندلس.[١]

قصر الحمراء في الأندلس

إنّ قصر الحمراء في الأندلس هو جزءٌ من معالم مدينة غرناطة الأثريّة في الأندلس، التي تقع على بعد 430 كيلومتر جنوب مدينة مدريد، وتعود بداية تشييد القصر إلى القرن السّابع الهجري، والقرن الثّالث عشر الميلادي، ويعدّ القصر من أروع القصور ومن أبدع الآثار في تاريخ العمارة الإسلاميّة حتّى اليوم، بما اشتمل عليه من بدائع الصّنع والفنّ، وقد رصّع صنّاعه المهرة القصر بأجمل النّماذج التي لا تستطيع البشريّة حاليًّا الإتيان بمثله، فهو أحد صروح العرب الخالدة في الأندلس، ذلك الفردوس العربيّ السّليب، كما أنّه يعدّ من أروع وأعظم الآثار الأندلسيّة الباقية.[٢]

فبعد أن اتّخذ بنو الأحمر غرناطة وطنًا لهم، بدؤوا يبحثون عن مكان مناسب يتحصّنون به، فاستقرّ بهم الأمر عند موقع الحمراء في الشّمال الشّرقي من غرناطة، وقد وضعوا في هذا المكان المرتفع أساس حصنهم الجديد "قصبة الحمراء" واتّخذوا من هذا القصر مركزًا لملكهم، وبنوا فيه أبراجًا منيعة، وأشادوا حوله سورًا ضخمًا، يمتدّ حتّى مستوى الهضبة، ويرجح بعض الباحثين سبب تسميته بالحمراء، إلى لون تربة المنطقة أو حجارته الضّاربة للحمرة التي بني منها.[٢]

ويرى آخرون سبب التّسمية تعود إلى بني الأحمر الذين كانوا يحكمون البلاد آنذاك، والحمراء هي عبارة عن مجموعة أبنية محاطة بأسوار تقبع فوق ربوة عالية تسمّى السّبيكة، في الجانب الشّماليّ الشّرقيّ من مدينة غرناطة، فقصر الحمراء يتحدث عن مملكة غرناطة، وحضارتها، وملوكها، وآثارها، وجهادها دفاعًا عن بقائها واستقلالها، حينما أمست آخر معاقل العرب والمسلمين في شبه الجزيرة الإيبيرية، وبعد أن أشعّت شمس حضارتها نحو مائتَيْ سنة، غابت شمسها وظهرت مبانيها دون حياة.[٢]

تاريخ بناء قصر الحمراء

يرجع بناء قصر الحمراء في الأندلس إلى القرن الرّابع الهجريّ والعاشر الميلاديّ، وقد كانت هناك فوق الهضبة الواقعة على ضفّة نهر حدرّه اليسرى قلعة الحمراء، وعندما انتقل حكم غرناطة إلى زعيم البربر باديس بن حبوس، و بعد أن ظهرت دول الطّوائف بداية القرن الخامس الهجريّ، أقام سورًا عظيمًا حول الهضبة التي بنيت عليها قلعة الحمراء، وأنشأ داخل هذا السّور قصرًا ومركز حكومته، وقد أطلق على القلعة اسم "القصبة الحمراء"، وأصبح قصر الحمراء جزءًا منها، وغدت معقل غرناطة المهمّ.[٣]

واتخذ أمير غرناطة ابن الأحمر مركزه في القصبة عام 635هـ -1238م، وبنى داخل أسوارها قصره الحصين، واتخذه قاعدة لحكمه، وجرّ إليه الماء من نهر حدرّه، وشاد حوله عدة أبراج منيعة منها "برج الحراسة الكبير"، وسورًا ضخمًا يصل حتّى مستوى الهضبة، وفي أواخر القرن السّابع الهجريّ، أنشأ محمد بن الأحمر الغالب بالله -ثاني سلاطين غرناطة- القصر الملكي ومباني الحصن الجديد، ثم تبعه ولده محمد بإنشاء مسجد في جوار القصر، قامت محلّه فيما بعد كنيسة سانتا ماريا واستمرّ التجديد والترصيع في القصر وما حوله حتّى سقوط غرناطة.[٣]

باب الشريعة من أبواب قصر الحمراء

غدا باب الشّريعة أحد أبواب قصر الحمراء المدخل الرئيسي لقصر الحمراء اليوم، وكان قد نقش على قوسه عندما شيّدَ سطران، كتب فيهما بخطّ أندلسيٍّ جميل العبارات الآتية: "أَمرَ ببناءِ هذا البابِ، المسمّى بابُ الشّريعةِ -أسعدَ اللهُ بهِ شريعةَ الإسلامِ، كما جعلهُ فخرًا باقيًا على الأيامِ- مولانا أميرُ المسلمين، السّلطانُ المجاهدُ العادلُ أبو الحجّاج يوسف، ابنُ مولانا السّلطانِ المجاهدِ المقدّسِ، أبي الوليد بن نصر، كافي الله في الإسلام صنائعه الزّاكية، وتقبّل أعمالَه الجهاديّةَ، فتيسّر ذلك في شهر المولد العظيم من عام تسعة وأربعين وسبعمائة، جعله الله عزّة وافية وكتبة في الأعمال الصالحة الباقية".[٤]

ويعدّ السّلطان يوسُف أبو الحجاج من أعظم سلاطين مملكة غرناطة، وقد تقلد حكم غرناطة في الفترة 1333-1354م، وقد شيّد أفخم وأجمل أجنحة الحمراء، وكما سبق فإنّ الفضل يعود إليه في تشييد باب الشّريعة المؤدّي إلى الشّارع، والذي أصبح الباب الرّئيس للقصر.[٤]

قصر جنة العريف

شُيّدَ على مقربةٍ من قصر الحمراء وعلى مسافة 1000م منه قصر جنّة العريف، الذي بُني صرحه في أواخر القرن السّابع الهجري-الثّالث عشر الميلادي، والذي يقع شمال شرقي قصر الحمراء فوق هضبة مستقلّة، وبالقرب منه ومن ورائه جبال الثّلج، وتنبع منه الأودية والسّواقي والعيون، وقد زرعت في أفنية القصر وساحاته أربعة بساتين فيها الزّهور والرّياحين الفائقة الجمال، حتّى غدا هذا القصر مضرب المثل بعظيم إبداعه ورونق جماله، بما أبدعت فيه يدُ صنّاعه، حتّى يظنّ زائره أنّه في جنّة قد ملئت بالأزاهير والورود والماء المسكوب والنسيم العليل، وقد جُعل لملوك غرناطة للتّنزّه والراحة والاستجمام.[٥]

المراجع[+]

  1. الوزير محمد لسان الخطيب (1319)، الإحاطة في أخبار غرناطة (الطبعة الطبعة الأولى)، مصر: مطبعة الموسوعات، صفحة 13-16، جزء 1. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت "جولة في ربوع قصر الحمراء في غرناطة"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 04-07-2019. بتصرّف.
  3. ^ أ ب "قصر الحمراء"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 04-07-2019. بتصرّف.
  4. ^ أ ب "قصر الحمراء-باب الشريعة"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 04-07-2019. بتصرّف.
  5. "جنة العريف"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 04-07-2019. بتصرّف.