قصة عرش بلقيس والنبي سليمان

بواسطة: - آخر تحديث: ١٥:٠٠ ، ١١ يونيو ٢٠١٩
قصة عرش بلقيس والنبي سليمان

نبيّ الله سليمان

بعث الله نبيّه سليمان خلفًا لأبيه داوود -عليه السلام- ووارثًا لنبوّته وملكه، فقد قال -تعالى-: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ}[١]، فقد آتاه الله -جلّ وعلا- المُلك العظيم بل إنّه كان ملكًا على الإنس والجن والطير والحيوانات جميعًا، وقد أكمل نهج أبيه داوود في الدعوة إلى عبادة الله واجتناب الكفر والشرك بالله، عاش -عليه السلام- إثنين وخمسين سنةً كان ملكًا مدّة أربعين سنة، وقد كانت له -عليه السلام- معجزاتٌ عظيمة سيأتي هذا المقال على ذكرها مع التطرّق لسرد قصة عرش بلقيس والنبي سليمان.[٢]

معجزات نبيّ الله سليمان

خصّ الله -جلّ وعلا- نبيّه سليمان -عليه السلام- بمعجزاتٍ خارقةٍ للعادة والطبيعة ولم تكن لنبيّ غيره، فقد علّمه لغة الحيوانات والطيور وسخّر له الطير تجري بأمره وآتاه الله من كلّ شيءٍ من الأموال والعتاد والجنود والجيوش والعلم والحكمة، فقد قال -تعالى- في محكم كتابه: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ}[١]، وقد سخر الله -جلّ وعلا- الجن لخدمة سليمان -عليه السلام- حتى أنّه جعله ملكًا عليهم وقد سخّر الرياح تجري بأمره، وقد جاء ذكر معجزاته -عليه السلام- في قوله -تعالى-: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ}[٣]، وأشياء أخرى كلّها كانت من الخوارق للعادة.[٤]

بلقيس ملكة سبأ

ورثت بلقيس عن أبيها حكم مملكة سبأ في اليمن فهي من عائلة ملكية عريقة، كانت بلقيس قويةً حكيمة فقد حاربت كلّ من فكّر بالتهجم على مملكتها، وقد عاش أهل سبأ في فترة حكمها في طمأنينة وقوة وتمتّعوا بالرخاء والعمران والحضارة والتمدّن، وقد ذاع صيتها بين الأمم لما كان لمملكتها من الغنى والترف، فقد كان عرش بلقيس ساحر الجمال وكان سريرها مرصّعًا بالمجوهرات والقوارير والزخارف الرائعة، كما أنّها رمّمت سدّ مأرب الذي تآكل مع مرور الزمن ممّا أمّن الماء الوفير لأهل سبأ.[٥]

قصة عرش بلقيس والنبي سليمان

تبدأ قصة عرش بلقيس مع النبيّ سليمان عندما بعث -عليه السلام- الهدهد في مهمّةٍ عظيمة من بلاد الشام إلى اليمن وهي البحث عن الماء، ولمّا ذهب الهدهد في رحلته وصل إلى مملكة سبأ وشاهد عرش بلقيس وما عليه من الغنى والترف، ولاحظ أنّ أهل مملكة سبأ يعبدون الشمس ويقدمون لها القرابين، فعاد مُسرعًا إلى سليمان -عليه السلام- ليخبره بما رآه، وقد ورد ذكر هذا في قوله -جلّ وعلا- {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ}[٦]، فما كان من سليمان -عليه السلام- إلّا أن أرسل لها بأن تأتي وتخضع لملكه وتؤمن بالله الواحد وتكون من المسلمين.[٥]

فذهب الهدهد بكتاب سليمان وألقاه على بلقيس، ومن رجاحة عقلها استفتت وزراءها وأخبرتهم بأمر هذا الكتاب وطلبت مشورتهم، وممّا ذُكر في سورة النمل في بيان قصة بلقيس قوله -تعالى-: {قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ}[٧]، وقد ظهرت حكمتها في أنّها اختارت التودد والسلم مع أنّ الوزراء أشاروا عليها باتخاذ سبيل الحرب، لكنّ سليمان استنكر فعلتها وغضب من تصرفها لأنّ غايته لم تكن المال ولا الملك بل كانت دعوتها للإسلام والهداية، فردّ هديتها وأخبر رسولها بأنّه إن لم تأتيه بلقيس وأهلها مسلمين سوف يغزوهم.[٥]

ولمّا علمت بلقيس بما قاله سليمان -عليه السلام- وأيقنت مدى قوته جمعت جنودها وحرسها واتجهت إلى الشام قاصدةً مملكة سليمان -عليه السلام-، فأوحى الله -تعالى- لسليمان بأنّ بلقيس وجنودها قد أتوك مسلمين، فأراد أنّ يثبت لها ولقومها نبوّته وقوته وملكه، فأرسل إلى الجن والأنس وجمعهم وقال لهم من يأتيني بعرش بلقيس قبل أن تصل هي إليّ فأجابه أحد الحاضرين ممن كان له علمٌ بكتاب الله بأنّه سيأتيه به قبل أن يرتد له طرفه، وبالفعل أحضر عرش بلقيس كاملًا لم ينقصه شيء في طرفة عين.[٨]

ولمّا وصلت بلقيس وجنودها تفاجأوا بوجود عرش بلقيس عند سليمان، إلّا أنّ سليمان -عليه السلام- غيّر في ملامح عرش بلقيس ليرى مدى ذكاءها وقوة انتباهها، فقد جعل عرشها فوق زجاجٍ تحته ماء، فلمّا رأت بلقيس عرشها صعدت إليه وشمّرت عن ساقيها ظنًّا منها أنّه على سطح الماء، ولما سألها سليمان أعرشك هكذا؟ أجابت كأنّه هو، وقد قال -تعالى- {قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ * وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ * قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[٩]، وفي هذه الآية بيانٌ على أنّ ذكاء بلقيس وفطنتها كان سببًا في إسلامها واتباعها سبيل الرشاد ودين الله.[٨]

موت سليمان -عليه السلام-

كان سليمان -عليه السلام- يمنع الجن والمردة من أن يقوموا بأعمالٍ تؤذي الناس، ويشغلهم بأداء أعمالٍ شاقة تلهيهم عن بني البشر، وعندما علم -عليه السلام- باقتراب أجله أخبر الناس والطير والمخلوقات بذلك إلّا دابة الأرض والجن، وكان في موته -عليه السلام- حكمةٌ كبيرة، فقد وقف في صلاته واستند إلى عصاه ومات وهو على هذه الحال، ولم يعلم الجن أمر وفاته وظنوا أنّه قائمٌ يصلي واستمر على هذه الحال مدة عامٍ كامل، حتى بدأت دابة الأرض بقضم عصاه فسقط -عليه السلام- وعلمت الجنّ بأمر موته، وقد قال -تعالى- في بيان هذه القصة { فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ}[١٠]، وفي هذا تأكيدٌ بأنّ الجن لا يملكون من علم الغيب أمرًا وأنّ الغيب كلّه بيد الله -جلّ علا-، والله -تعالى- أعلم.[١١]

المراجع[+]

  1. ^ أ ب سورة النمل، آية: 16.
  2. "قصة النبي سليمان -عليه السلام-"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 10-06-2019. بتصرّف.
  3. سورة سبأ، آية: 12.
  4. "كتاب: المعجزة الكبرى القرآن"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 10-06-2019. بتصرّف.
  5. ^ أ ب ت "ملكة سبأ في القصص القرآني"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 10-06-2019. بتصرّف.
  6. سورة النمل، آية: 22-24.
  7. سورة النمل، آية: 29-35.
  8. ^ أ ب "سليمان عليه السلام وملكة سبأ (خطبة)"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 10-06-2019. بتصرّف.
  9. سورة النمل، آية: 41-44.
  10. سورة سبأ، آية: 14.
  11. "الجواهر الحسان من قصة سليمان"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 10-06-2019. بتصرّف.