فلسفة إميل سيوران في الأدب

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٥٢ ، ٢٨ مارس ٢٠١٩
فلسفة إميل سيوران في الأدب

المذهب الوجودي

المذهب الوجودي هو تيارٌ فلسفيٌّ يرفعُ من قيمةِ الإنسان ويؤكِّدُ على أنَّه صاحبُ تفكيرٍ وحريَّةٍ وإرادةٍ واختيارٍ، ولا يحتاجُ إلى أحدٍ كي يوجِّهه، ظهر هذا التيار في أوروبا في القرنين 19 و20، وسُمِّي بذلك لأنَّ أنصاره اهتمُّوا بطبيعة الوجود وكينونته وقصدوا بالوجود "الوجود البشري"، والحركة الوجودية ثورة ضدَّ فلسفة أوروبا التقليدية، كانت علاقة الفلسفة بالأدب منفصلة أحيانًا ومتَّصلة أحيانًا أخرى بناءً على عدَّة معطيات متداخلةٍ أثَّرت على علاقتهما، كالأديان والأنثروبولوجيا الثقافية والمنطق، لكن فيما بعد أصبحت العلاقة علاقة تحويل؛ إذ أصبحت تيارٌا معارضًا، حيثُ استُخدمت  المصطلحات الفلسفية لنقد الأدب وصارت الفلسفة تسمى أدبًا، وهذا المقال سيتحدث عن الفيلسوف إميل سيوران وفلسفته. [١]

نبذة عن إميل سيوران

الفيلسوف والكاتب الروماني إميل سيوران، ولد إميل سيوران عام 1911 م في راسيناري مقاطعة سيبين التي كانت جزءًا من النمسا والمجر في ذلك الوقت، كان والده كاهنًا أرثوذكسيًّا في قريته، كان للتشاؤمِ واليأسِ جذورٌ عميقة في مرحلة الطفولة لدى سيوران، رحل إلى مدينة سيبو للدخول في المعهد الثانوي ثمَّ رحل إلى بوخارست لدراسة الفلسفة في جامعتها وتبنَّى أفكار الفيلسوف الروماني ناي يونسكو التي كانت خليطًا من الوجودية والفلسفات الفاشية، أتقنَ إميل سيوران اللغة الألمانية وهذا مكَّنه من استيعاب فلسفة مانويل كانت، وشوبنهور، وهيدجر ونيتشه الذي كان له الأثر الأكبر على فلسفة إميل سيوران، قدَّم أطروحته حول هنري بيرغسون ونال عليها شهادة البكالوريوس لكنَّه تبرأ منها فيما بعد مدَّعيًا أن بيرغسون لم يفهم مأساة الحياة.

وفي عام 1933م انتقل إميل سيوران إلى ألمانيا بعدَ أن حصلَ على منحة دراسية من جامعةِ برلين، ثمَّ عاد إلى موطنه بعد عامين عام 1936 م ليعمل في التدريس في معهد براسوف، بعد ذلك حصل على منحة من معهد بوخارست الفرنسي عام 1937 م، وفي عام 1946 م قرر أن يتخلَّى عن اللغة الرومانية ويبدأ الكتابة باللغة الفرنسية وقرر البقاء في فرنسا، وتجنَّب الأضواء والشهرة بعدَ أن حصل على جائزته الوحيدة على كتابه "موجز التفكيك" المخصصة للكتاب الأجانب في فرنسا، وأعلن اعتزاله للوسط الثقافي نهائيًّا، حتى أنه لم يتزوَّج أبدًا لكنَّه أمضي بقيَّة حياته مع رفيقة عمره أستاذة الأدب الإنجليزي سيمون بويه في باريس، وأصيب بالزهايمر في آخر عمره وتوفي عام 1995 م في باريس [٢].

فلسفة إميل سيوران في الأدب

كانت فلسفةُ إميل ستيوران على شكلِ شذراتٍ تجعل من المستحيلِ على القارئ الإمساك بنظريَّة محددة له، وتخلو فلسفته من التنظير بشكله المعتاد فتبدو على شكل صرخات مفرقة، وقد تكون هذه الشذرات متناقضة أحيانًا، ولكنَّها تدور حول أشياء أساسية ثابتة أهمُّها مشكلة الولادة والسقوط في الزمن وهي مأساة الإنسانية الأساسية عند إميل سيوران، وعلى حسب آرائه: "فسقوط الإنسان في التاريخ جعل الرجوع إلى الطمأنينة الأولى شيئًا مستحيلًا، فنحن نحيا والشرُّ خلفَنا لا أمامَنا، وهذا السقوط يؤدِي بالضرورةِ إلى رُعبِ الصَّيرورَةِ، والجحيمُ عندهُ هو المكانُ الذي يحكُمنا فيهِ الزَّمن إِلى الأبَد".

ومن أقواله: "لا يدركُ معظَمُ النَّاس الاحتضارَ البطيءَ الذي هُم فيهِ، ولا يَعرفونَ إلَّا احتِضارًا واحِدًا، ذلكَ الذي يسبقُ الولوجَ في العَدم"، ويقول أيضًا: "إذا كانَ للأمراضِ مهمَّة فلسفيَّة في هذا العَالمِ فستكونُ البرهنةَ على أنَّ هذا الشعورَ بأبديَّةِ الحياة مجردُ وهمٍ"، من أولى كتبِه "على ذرى اليأس" عام 1934 م، و"كتاب الخدع" عام 1935 م، وكتابه الفرنسيُّ الأول "موجز التفكيك" الذي حصل على الجائزة المخصصة للكتاب الأجانب، ثمَّ توالت كتبه "مقايسات المرارة"، ومن كتبه أيضًا التي ترجمت إلى اللغة العربية: "التاريخ واليوتوبيا"، "مثالب الولادة"، "المياه كلها بلون الغرق"، "لو كان آدم سعيدًا" [٣].

كتاب مثالب الولادة

كتاب مثالب الولادة للكاتب والفيلسوف إميل سيوران، كتاب فلسفي يضربُ فيه إميل سيوران بمطارقِه دون أي تردُّد كل المسلَّمات واليقينيَّات والثوابت التي نحسبُها يقينيَّة ولا نتجرأُ على الخوض بها، سواء المتعلقة بالفلسفة منها أو بالأديان أو بالشعر أو بالموسيقى أو المتعلقة بالأدب بشكلٍ عام، ويَطرحُ الكثير من التساؤلاتِ حول تلك اليقينيات، وفيه يقول متسائلًا عن سر هذه الحياة التي مصيرها الموت لا محالة: "الولادة، أو قل كارثة الولادة، هى مغامرةٌ عبثيَّةٌ لا جَدوى منها، لأنَّ مصير الإنسانِ مرتبطٌ بنهايةٍ حتميَّةٍ يغيبُ فيها وعيُه ووجودُه، ويكونُ مصيرُه كمصيرِ أيِّ كائنٍ آخر، إذًا لمَ كلُّ هذا النواحِ؟ فإذا كانَ مصيرُ الإنسانِ هو الموتُ، ما قيمةُ الولادةِ أصلاً، هل ولدَ الإنسانُ ليموتَ؟".

ويكثرُ إميل سيوران في هذا الكتاب من السخرية من الوجود ومن العدميَّة، فهو لا يعبر عنها بالتشاؤم بل باللامبالاة فيقول: "أنَا لا أفعلُ شيئًا، هذَا متَّفقٌ عليه، لكنَّنى أنظرُ إلى الساعات تعبرُ وهذا أفضلُ من أن أسعَى إلى تأثيثِها"، والواقع عنده من اختصاص اللامعقول، ولذلك رفضَ أن يمنحَ الوجودَ والحياة لأي كائن معتبرًا ذلك من أعظم الجرائم، لذلك يقول: "اقترفتُ كلَّ الجرائم، باسْتثناء أنْ أكون أبًا، علينا نسيانُ أن نولَد"، فهو بشكلٍ أساسيٍّ يؤمنُ بأنَّ الكارثة تكمنُ بالولادةِ وليسَت بالمَوت، وإحدى مقولاته في الكتاب: "ليتني أكون حرًّا، حرًّا إلى حدِّ الجنون، حرًّا مثل وليدٍ ميتٍ" [٤].

المراجع[+]

  1. وجودية, ، "www.marefa.org"، اطُّلع عليه بتاريخ 17-11-2018، بتصرف
  2. إميل سيوران, ، "www.arageek.com"، اطُّلع عليه بتاريخ 17-11-2018، بتصرف
  3. إميل سيوران, ، "www.ida2at.com"، اطُّلع عليه بتاريخ 17-11-2018، بتصرف
  4. كتاب "مثالب الولادة"، إميل سيوران، منشورات الجمل، ترجمة آدم فتحي