شعر الغزل العفيف في العصر الأموي

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٠٥ ، ٢٧ يونيو ٢٠١٩
شعر الغزل العفيف في العصر الأموي

الدولة الأموية

يعودُ نسب الأمويين إلى أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرّة، وقد نشأت الخلافة الأمويّة عام ٤١ للهجرة بِتَنازُل من الحسن بن علي بن أبي طالب عن خلافة الدولة الإسلاميّة لصالح معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهم أجمعين-، بهدف توحيد راية المسلمين وتجنّبًا لإراقة الدماء، على أن تَؤول الخلافة للحسن بعد موت معاوية، ولكنّ الحسن توفّي قبل معاوية، وهكذا توارث الخلفاء الأمويين الحكم حتى عام ١٣٢ للهجرة، وعلى الرغم من قصر الخلافة الأمويّة إلّا أنَّ خلفاء الدولة الأمويّة أسهموا إلى حدٍّ كبير بتجديد الحركات الفكريّة، وتنشيط الأدب على مختلف أشكاله، وفي عهدهم بدأت عملية التعريب، وتم تنظيم الدواوين، وسك العُملة، وبدأت العلوم العربية والإسلامية تكتمل صورها، وهذا المقال سيقدّم توضيحًا عن الشّعر بشكلٍ عام، وعن شعر الغزل العفيف في العصر الأموي بشكلٍ خاص.

الشعر في العصر الأموي

وجد الشعراء في العصر الأموي بين أيديهم رصيدًا ضخمًا جدًا من أسلافهم في العصر الجاهلي، فراحوا يقترضون من هذا الرصيد ويوظّفونه في شعرهم، إضافةً إلى أنّ تأثّرهم بمن سلفهم في عصر صدر الإسلام قد ساهم إلى حدٍ كبير بتهذيب رؤاهم للأغراض الشعريّة تبعًا لحالة العصر الجديد ومظاهره السياسية والدينية والثقافية؛ فقد كان الشعر قبل ذلك بحالة ركود بسبب انبهار الشعراء في القرآن الكريم وانشغالهم به، وقد تنوّعت الأغراض الشعرية في هذا العصر واتجه كلُّ شاعرٍ حسب ميوله الشعرية والظروف المحيطة به. [١]

شعر الغزل العفيف في العصر الأموي

الغزل هو فنُّ من فنون الشعر العربي، يقوم على وصف الحبيبة، وإبراز محاسنها ومفاتنها، وقد ازدهر شعر الغزل عامةً، وشعر الغزل العفيف في العصر الأموي خاصةً ازدهارًا لا مثيلَ له؛ وذلك لأسباب منها التسامح الديني السائد في ذلك العصر، والهدوء والاستقرار الأمني، كما اتّجه الغزل في هذا العصر في ثلاثة اتّجاهات هي: [٢]

  • الغزل العذري: وهو الغزلُ الصّادق الذي ينبع من نفس قد كواها الحب؛ إذ يكون موجّهًا إلى فتاة واحدة هي الحبيبة لا غير، على النقيض من الغزل الفاحش، أو العمري، الذي كان يتغزّل بنسوة كثيرة بدافع غرائزي لإطفاء شهوة ما، أو ربّما من باب التسلية واللعب بمشاعر الفتيات، وسمّي الغزل العذريّ عذريًّا نسبةً إلى قبيلة بني عذرة التي كانت تقطن في وادي القرى شمالي الحجاز، ويتميّز هذا النوع من الغزل بالوحدانية، أي الاقتصار على مناشدة امرأة واحدة من بين سائر النساء تكون محور قصيدتهم، وحب المرأة لذاتها لا للجمال الذي تتمتع به، ومن روّاد شعر الغزل العفيف في العصر الأموي: كثيّر عزّة، وقيس بن الملوّح، وذو الرمة، وقيس لبنى، وجميل بن معمّر زعيم هذا النوع من الغزل، ففي هذا البيت الشعري أدناه يتمثّل معنى الاخلاص وصدق المشاعر التي امتزجت بروح الشاعر في هذا العصر، يقول: [٣]

يهواكِ ما عشتُ الفؤادُ فإن أمُتْ

يتبعْ صدايَ صداكِ بين الأقبرِ
  • الغزل الحضري: وسمّي بذلك لانتشاره في حواضر الشام، ومؤسّس هذا النوع من الغزل هو عمر بن أبي ربيعة المخزومي، ويمتاز شعره بفُحش المعاني والألفاظ، ولا يكون في هذا الغزل حبيبة واحدة يُكتفى بها، ولكن قد نرى في قصيدة واحدة ظهور لنساء عدّة، ويظهر ذلك جليًّا في قصيدة عمر بن أبي ربيعة التي يقول فيها:

بَيْنَما يَذْكُرْنَني أَبْصَرْنَني

دونَ قَيْدِ الميلِ يَعْدو بي الأَغَرْ

قالت الكبرى: أتعرفن الفتى؟

قالت الوسطى: نعمْ، هذا عمر

قالت الصغرى-وقد تيمتها-:

قد عرفناهُ، وهل يخفى القمر!
  • الغزل التقليدي: وهو يشبه الوقوف على الأطلال في القصيدة الجاهليّة، بل قد سُمّي بذلك لكثرة ما وقف الشعراء فيه على أطلال حبيبات وهميّات، ويُسمّى كذلك بشعر النسيب، وكلّ ذلك في سبيل حماية بناء القصيدة العربيّة القديم، كقول جرير بن حذيفة اليربوعي:

بانَ الخَليطُ وَلَو طُوِّعتُ ما بانا

وَقَطَّعوا مِن حِبالِ الوَصلِ أَقرانا

حَيِّ المَنازِلَ إِذ لا نَبتَغي بَدَلًا

بِالدارِ دارًا وَلا الجيرانِ جيرانا

شعراء شعر الغزل العفيف في العصر الأموي

اتّسم كلّ عصرٍ من العصور ابتداءً من العصر الجاهلي حتّى العصر الحديث بطابعٍ مميّز من الغزل، فالقصيدة الجاهليّة لم تكن تخلو من الغزل الفاحش، وإنْ لم يكن هو الموضوع الرئيس في القصيدة الجاهليّة، حتّى جاء الإسلام وهذّب كلّ شيء بما في ذلك الشّعر الذي أصبح أكثرَ عفّة من قبلُ، ونال الغزل اهتمامًا كبيرًا لاسيّما شعر الغزل العفيف في العصر الأموي، وشهدَ تطورًا لغويًا واسعًا ساعدته في ذلك الظروف السياسية التي أُحيطت بهذا العصر، إضافة إلى الهدوء والأمان الذي كانت الدولة الأموية، والغزل العذريُّ نقيٌّ طاهرٌ تشعُّ منه حرارة العاطفة وصدق المشاعر، وقد أبدع شعراء هذا العصر بهذا الغرض الشعري أكثر من غيره من الأغراض الشعرية؛ وذلك لأنَّه لم يكن في مجتمعهم ما يدفعهم إلى الانشغال بالأغراض الأخرى، فكان الغزل العفيف في المقدمة.

قيس ليلى

من الشعراء الذين سلّطوا الضوء على هذا اللون من الغزل قيس ليلى، وهو قيس بن الملوح الهوزاني 645م–688م: والملقّب بمجنون ليلى لهيامه في حب ليلى العامريّة ابنة عمِّه التي اشتهر بحبِّه لها، ولم يُعرف أنَّه تغزّل في غيرها [٤]، يقول في أبياتٍ له: [٥]

أَعُدُّ اللَيالي لَيلَةً بَعدَ لَيلَةٍ

وقَد عِشتُ دَهراً لا أَعُدُّ اللَيالِيا

أَراني إِذا صَلَّيتُ يَمَّمتُ نَحوَها

بوَجهي وَإِن كانَ المُصَلّى وَرائِيا

قَيس بن ذُرَيح بن سنة بن حذافة الكناني

شاعرٌ مُجيد من شعراء الطبقة الأولى في ذلك العصر، وهو أخو الحسين بن علي بن أبي طالب-رضي الله عنهم-بالرّضاعة؛ إذ أرضعته أمّ قيس،[٦] وهو من العشّاق الولهانين بحبيباتهم، اشتهر بحب لُبنى بنت الحباب الكعبيّة، وأخلص لها في الحبِّ وأصابَه في سبيل حبِّها عذاب وسقم وهلاك، يقول فيها: [٧]

يقرُّ بِعيني قُربُها ويزيدني

بها كلفاً من كان عِنْدي يَعيْبُها

وكَمْ قائلٍ قد قال تُبْ فعصيتُه

وَتِلْكَ لَعَمْرِي تَوْبَة ٌ لا أتُوبُها

فيا نفسُ صبراً لستِ والله فاعلمي

بِأَوَّلِ نَفْسٍ غَابَ عَنْهَا حَبِيبُها

عروة بن حزام بن مهاجر الضنيّ

شاعر من الشعراء العذريين، مات أبوه وهو صغير، فنشأ في بيت عمّه أبي عفراء، أحبَّ عفراء ابنة عمّه وهما صغيران، وحينما كبرت زوّجها أبوها غيره، فسافرت معه إلى الشّام، وكان عروة آنذاك مسافرًا، وحينما عاد قالوا له إنّها ماتت، وحينما علم خبرها مات من كمده، وحينما بلغ خبر موت عروة إلى عفراء حزنت عليه، وقالت في ذلك شعرًا، وذهبت إلى قبره وماتت بجانبه، وحين بلغ خبر موتهما معاوية بن أبي سفيان-رضي الله عنه-قال: لو علمت بحال هذين الحرّين الكريمين لجمعت بينهما،[٨] وممّا قاله في حبّه لها: [٩]

وَقُلْتُ لِعَرَّافِ اليَمَامَةِ داونِي

فَإنَّكَ إنْ أَبْرَأْتَنِي لَطَبِيبُ

فما بي من سقمٍ ولا طيفِ جنّةٍ

ولكنَّ عَمِّي الحِمْيَريَّ كَذُوبُ

المراجع[+]

  1. "أمويون"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 18-06-2019. بتصرّف.
  2. "غزل (شعر)"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 18-6-2019. بتصرّف.
  3. "يا صاحِ، عن بعضِ الملامة ِ أقصرِ"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 18-06-2019.
  4. "من هو قيس بن الملوح - Qays Ibn Al-mulawwah؟"، www.arageek.com، اطّلع عليه بتاريخ 18-6-2019. بتصرّف.
  5. "تذكرتُ ليلى والسنين الخواليا ( المؤنسة )"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 18-6-2019.
  6. "معلومات عن قيس بن ذريح"، www.aldiwan.net، اطّلع عليه بتاريخ 19-6-2019. بتصرّف.
  7. "يقرُّ بِعيني قُربُها ويزيدني"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 18-06-2019.
  8. "معلومات عن عروة بن حزام"، www.aldiwan.net، اطّلع عليه بتاريخ 19-6-2019. بتصرّف.
  9. "وإنّي لتعروني لذكراكِ رعدة ٌ"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 18-06-2019.