شرح قصيدة قوة العلم

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٥٤ ، ٢٨ مارس ٢٠١٩
شرح قصيدة قوة العلم

محمود سامي البارودي

محمود سامي البارودي، شاعرٌ مصريّ ورائد من روَّاد مدرسة البعث والإحياء الشعرية، وُلِدَ البارودي في حيِّ باب الخلق في القاهرة عام 1839م، من أبويْن شركسيّين، وهو شاعر من الفحول، وأحدُ الشعراء الذين أعادوا للشعر الكلاسيكي هيبته بعد حركات التجديد المتكررة التي قام شعراء العصر الحديث، أكمل البارودي دراسته عام 1851م، والتحق بالمدرسة الحربية ليصبح أحد عناصر جيش السلطان، وفي أواخر حياته فتح بيته للشعراء يسمع منهم ويسمعون منه، مثل شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران، ولكن هذا لم يدم فقد توفّي سنة 1902م، وهذا المقال سيتناول شرح قصيدة قوة العلم للبارودي. [١]

شرح قصيدة قوة العلم

يريدُ الشاعر المصريّ محمود سامي البارودي في قصيدة قوة العلم أن يقدِّم حكمة للناس أجمعين، يريد أن يقدم نظرة نقدية للعالم، ويريد أن يقف في وجه الشاعر أبي تمام الذي قدَّم رؤية مناقضة لرؤية البارودي قبل قرون، وفيما يأتي شرح قصيدة قوة العلم للبارودي وإظهار لأبرز معانيها، يقول:

بِقُوَّةِ الْعِلْمِ تَقْوَى شَوْكَةُ الأُمَمِ               فَالْحُكْمُ فِي الدَّهْرِ مَنْسُوبٌ إِلَى الْقَلَمِ

كَمْ بَيْنَ مَا تَلْفِظُ الأَسْيَافُ مِنْ عَلَقٍ        وَبَيْنَ مَا تَنْفُثُ الأَقْلامُ مِنْ حِكَمِ

العلم أساس التفوّق بين الأمم، وبه تقوى الأمم وتتقدَّم، لأن أساس التسيُّد في هذا العالم هو العلم، وأساس الحكم يرجع إلى القلم وهذه كناية عن العلم، وهنا يعارض قول أبي تمام:

السيف أصدق إنباءً من الكتبِ           في حدهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ

ثمَّ يقول البارودي ويتعجّب مواصلًا في معارضته لرأي أبي تمام: كم يوجد في السيوف التي تؤدي إلى اشتعال الحروب في العالم من وجع ومعاناة ومر، وكم يوجد في العلم من حكمة وصلاح وهداية.

لَوْ أَنْصَفَ النَّاسُ كَانَ الْفَضْلُ بَيْنَهُمُ           بِقَطْرَةٍ مِنْ مِدَادٍ لا بِسَفْكِ دَمِ

فَاعْكِفْ عَلَى الْعِلْمِ تَبْلُغْ شَأْوَ مَنْزِلَةٍ          فِي الْفَضْلِ مَحْفُوفَةٍ بِالْعِزِّ وَالْكَرَمِ

ويتابع في هذيْن البيتيْن أيضًا، يقول: لو أنَّ الناس في هذا العالم أرادوا الإنصاف والعدل، لكان ميزان التفاضل بين الناس هو العلم وليس القوة.

ثمَّ يقدم البارودي نصيحة بصيغة الأمر، يقول: عليك أن تهتمَّ بالعلم كي تصل إلى المراتب العليا بين الناس، وكي تصل إلى منازل الفضل العليا أيضًا، هذه المنازل التي توصل حتمًا إلى العزِّ والكرم والجود.

فَلَيْسَ يَجْنِي ثِمَارَ الْفَوْزِ يَانِعَةً           مِنْ جَنَّةِ الْعِلْمِ إِلَّا صَادِقُ الْهِمَمِ

لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسَاعِي مَا يَبِينُ بِهِ          سَبْقُ الرِّجَالِ تَسَاوَى النَّاسُ فِي الْقِيَمِ

ثمّ يقول البارودي: يجب على الإنسان أن يتحلَّى بالهمة والعزيمة العالية مع حبِّ العلم، حتَّى يستطيع أن يجنب ثمار العلم الناضجة،، فلولا هذا الفرق بين همم الناس لتساوى الناس كلُّهم القيمة.

وَلِلْفَتَى مُهْلَةٌ فِي الدَّهْرِ إِنْ ذَهَبَتْ           أَوْقَاتُهَا عَبَثًا لَمْ يَخْلُ مِنْ نَدَمِ

كَمْ أُمَّةٍ دَرَسَتْ أَشْبَاحُهَا وَسَرَتْ             أَرْوَاحُهَا بَيْنَنَا فِي عَالَمِ الْكَلِمِ

فَانْظُرْ إِلَى الْهَرَمَيْنِ الْمَاثِلَيْنِ تَجِدْ           غَرَائِبًا لا تَرَاهَا النَّفْسُ فِي الْحُلُمِ

ثمَّ يقول: إنَّ للفتى وقتًا معلومًا في هذه الحياة، ولذلك يجب عليه أن يستثمر حياته في الجد والعمل لا بالعبث واللهو حتَّى لا يندم ندمًا شديدًا، ثم يحاول الجواهري أن يظهر في نصه هذا قيمة الأشياء العظيمة التي يؤديها الإنسان في حياته، فيقول: كم أمة غاب وانمحت ولم يبقَ إلَّا ذكرها في التاريخ ولكنَّ أفعالها ما زالت حاضرة بيننا، ويطلب من الإنسان أن يتفكر وينظر إلى أهرامات مصر العظيمة ويرى العجائب التي فيها، والتي هي ما كانت إلَّا محصلة همم رجال أمة عظيمة كانت من قبل وبقي أثرها طويلًا. [٢]

معاني قصيدة قوة العلم

بعد شرح قصيدة قوة العلم لبارودي، جديرٌ بالقول إنَّ هذه القصيدة قدَّمت رؤيةً حَداثيّة للواقع العربي المعاصر الذي كان يعيشه الشاعر في القرن التاسع حيث عاش البارودي وأثبت أنَّ ميزان القوة في العالم اختلفَ في عقول الناس من السيف إلى اليراع، ولها يمكن اعتبار نصَّ البارودي هذا استشرافًا للمستقبل القريب، فاليوم وبعد مرور ما يزيد على مئة عام من موت البارودي، تحققت نبوءته وأصبحَ العلمُ أساسَ التفاضل بين الناس دون شكَّ، وهذا ما أشار إليه وما بيَّنه شرح قصيدة قوة العلم للشاعر، حين قال:

لَوْ أَنْصَفَ النَّاسُ كَانَ الْفَضْلُ بَيْنَهُمُ         بِقَطْرَةٍ مِنْ مِدَادٍ لا بِسَفْكِ دَمِ

ثمَّ أكَّد في قصيدته على معنى من معاني الحياة وهو الذكر بعد الموت، ولإقامة الحجة على من يعارض رأيه، جاء الشاعر بمثالٍ حيٍّ ومباشر، وهو أهرامات مصر، وكيف أنَّ الفراعنة فنوا واندرست رسومهم ولكنَّ أعمالهم العظيمة لم تزل شاهدة عليهم، يقول:

كَمْ أُمَّةٍ دَرَسَتْ أَشْبَاحُهَا وَسَرَتْ         أَرْوَاحُهَا بَيْنَنَا فِي عَالَمِ الْكَلِمِ

فَانْظُرْ إِلَى الْهَرَمَيْنِ الْمَاثِلَيْنِ تَجِدْ        غَرَائِبًا لا تَرَاهَا النَّفْسُ فِي الْحُلُمِ

ومن هذه المعاني العظيمة أخذ نصُّ البارودي قيمتَه الكبيرة، وأوصل حكمة بالغة الأهمية، نبغي على كلِّ الأمم أن تعمل بها كي تصل إلى أعلى المراتب وأرفع المنازل في هذه الحياة. [٣]

المراجع[+]

  1. محمود سامي البارودي, ، "www.marefa.org"، اطُّلِع عليه بتاريخ 10-02-2019، بتصرّف
  2. بقوة العلم تقوى شوكة الأمم, ، "www.aldiwan.net"، اطُّلِع عليه بتاريخ 10-02-2019، بتصرّف
  3. بقوة العلم تقوى شوكة الأمم, ، "www.adab.com"، اطُّلِع عليه بتاريخ 10-02-2019، بتصرّف