شرح قصيدة أنشودة المطر

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٥٣ ، ٢٨ مارس ٢٠١٩
شرح قصيدة أنشودة المطر

بدر شاكر السياب

هو بدر شاكر السيّاب شاعر عراقيٌّ ولِدَ في محافظة البصرة جنوب العراق عام 1926م، وهو أحد أشهر الشعراء العرب في القرن الماضي، ويعتبر السَّيَّاب أحد الشعراء المؤسسين للشعر العربي الحر أو ما يُسمّى "شعر التفعيلة" وقد كان السيَّاب ضئيلًا نحيلًا، قصير القامة، صدرت له مؤلّفات شعرية كثيرة، لعلَّ أبرزها ديوان أزهار ذابلة وديوان أنشودة المطر وحفّار القبور والمومس العمياء والمعبد الغريق وشناشيل ابنة الجلبي وديوان إقبال، ولم يزل له شعرٌ لم يُطبعْ بعد، وقد كانَ السياب شاعرًا مرهفًا يعبِّرُ عن خلجات نفسه بصدق وعاطفة حميمة، وقد تُوفِّيَ سنة 1968م وهو شاب، وهذا المقال مخصصٌ للحديث عن شرح قصيدة أنشودة المطر وتحليلها. [١]

شرح قصيدة أنشودة المطر

تعدُّ قصيدة أنشودة المطر من أعظم القصائد التي قيلتْ في الغزل في الشعر العربي الحديث، ويرجع هذا لما تحويه هذه القصيدة من حسن صياغة وصور فنية تذهب بالقارئ إلى مجازات بعيدة وخيالات مرهفة كإحساس السيَّاب، ويقول بدر شاكر السيَّاب في قصيدته أنشودة المطر: [٢].

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ

أو شُرفتان راحَ ينأى عنهما القمرْ

عيناكِ حين تبسمانِ تورقُ الكرومْ

وترقصُ الأضواءُ، كالأقمارِ في نهَرْ

يَرُجُّهُ المجذافُ وهْنًا ساعة السَّحَرْ

كأنَّما تنبضُ في غوريهما، النّجومْ

وتغرقانِ في ضبابٍ من أسىً شفيفْ

كالبحر سرَّح اليدين فوقَهُ المساءْ

دفءُ الشتاء فيه وارتعاشةُ الخريفْ

والموت، والميلادُ، والظلامُ، والضياءْ

فتستفيقُ ملءَ روحيْ، رعشةُ البُكاءْ

ونشوةٌ وحشيَّةٌ تعانقُ السَّماء

كنشوة الطفل إِذا خافَ منَ القمرْ!

كأنَّ أقواسَ السَّحابِ تَشَربُ الغيومْ

وقطرةً فقطرةً تذوبُ في المطرْ

وكركرَ الأطفالُ في عرائشِ الكرومْ

ودغدغتْ صمتَ العصافيرِ على الشجرْ

أنشودةُ المطرْ

مطرْ

مطرْ

مطرْ

يتخيّل بدر شاكر السياب في هذا المقطع حبيبته التي يشبّه عينيها بلون غابة النخيل في الليل، وقت السحر تحديدًا، ويصف جوَّ مدينته العراقية الهادئة التي تحمل في سكونها كلَّ مظاهر الطبيعة، فيُسقط هذا الجمال الإلهي على عينَيْ حبيبته بطريقة شاعرية مذهلة، فيصف شجر الكروم، والقارب الذي يسير في النهر القريب، والنجوم التي تلمع بضوئها الذي يكاد يغيب في شحوب المساء التي يغطيها ضباب خفيف، ثمَّ يتحدّث عن أطفال العراق وضحكاتهم وكركراتهم ولُعَبِهم فيعود إلى طفولتِهِ القديمة، ويذكر كيف يتساقط المطر على العصافير التي تتنقل بين غصون الشجر، فيقول:

ودغدغتْ صمتَ العصافيرِ على الشجرْ

أنشودةُ المطرْ

مطرْ

مطرْ

مطرْ

ثم يقولُ السَّيَّابُ في قصيدتهِ أنشودة المطر:

تثاءب المساءُ، والغيومُ ما تزالْ

تسحُّ ما تسحّ من دموعِها الثقالْ

كأنَّ طفلاً بات يهذي قبل أن ينامْ:

بأنَّ أمّه التي أفاقَ منذ عامْ

فلم يجدها، ثمَّ حين لجّ في السؤالْ

قالوا له: "بعد غدٍ تعودْ .. "

لا بدَّ أن تعودْ

وإِنْ تهامس الرفاق أنَّها هُناكْ

في جانب التلّ تنام نومةَ اللّحودْ

تسفُّ من ترابِها وتشربُ المطرْ

يصف الشاعر في هذا المقطع قصّة وفاة والدته التي فارقتِ الحياة وهو ابن ست سنين، فيقول عن نفسه أنَّه استيقظ ولم يجدْ أمَّهُ وكذبوا عليه وقالوا له إنَّها ستعود، وأنَّها هناك قريبة من التلِّ نائمة في لحد تشرب مطر السماء كأنَّها وردة.

كأنَّ صيادًا حزينًا يجمعُ الشِّباكْ

ويلعنُ المياه والقَدَرْ

وينثر الغناء حيث يأفل القمرْ

مطرْ ..

مطرْ ..

أتعلمينَ أيَّ حُزْنٍ يبعث المطرْ؟

وكيف تنشج المزاريب إِذا انهمرْ؟

وكيف يشعر الوحيدُ فيه بالضّياعْ؟

بلا انتهاءٍ كالدَّم المُراقِ، كالجياعْ

كالحبِّ، كالأطفالِ، كالموتى، هو المطرْ!

ثمَّ يصف السيّاب ويسأل حبيبته عن مدى الحزن العميق الذي يبعثه المطر في داخلِهِ عندما ينهمر بشدّة، وكيف يشعر لحظة انهمار المطر من السماء بالوحدة والضياع والتِّيهِ، ولهذا استطاع الشاعر أن يمنح المطر صفة الحياة الموت فيصفه بأنَّه يشبه الحب ويشبه الإنسان ويشبِهُ الموتى.

الأسطورة في أدب السياب

تظهر الأسطورة القديمة واضحة جليّة في شعر كثير من الشعراء العرب، وتظهر بكثرة في شعر السيَّاب تحديدًا، وبالحديث عن الأساطير التي استطاع السياب أن يذكرها باسمها أو بصفاتها في قصائده، أسطورة عشتار وهي آلهة الخصب التي تظهر صفاتها واضحة الملامح في مطلع قصيدته أنشودة المطر التي يقول فيها: [٣].

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ

أو شُرفتان راحَ ينأى عنهما القمرْ

عيناكِ حين تبسمانِ تورقُ الكرومْ

وترقصُ الأضواءُ، كالأقمارِ في نهَرْ

يَرُجُّهُ المجذافُ وهْنًا ساعة السَّحَرْ

كأنَّما تنبضُ في غوريهما، النّجومْ

وتظهر أيضًا أسطورة سربروس اليونانية، وهي أسطورة تتحدث عن كلب يوناني يحرس مملكة الموت في الأسطورة، وتظهر هذه الأسطورة في شعر السيَّاب في قصيدته "سربروس في بابل" والتي يقول فيها: [٤].

ليعو سربروس في الدروبْ

في بابلَ الحزينةِ المهدمةْ

و يملأ الفضاءُ زمزمهْ

يمزِّقُ الصغارُ بالنيوبِ يقضمُ العظامْ

و يشربُ القلوبْ

عيناهُ نيزكانِ في الظلامْ

و شدقُهُ الرهيبُ موجتانِ منْ مدى

تخبِّئُ الرَّدى

أشداقُهُ الرهيبةُ الثلاثَةُ احتراقْ

يؤجّ في العراقْ

وتكثرُ الأساطير في شعر السيّاب، هذه الأساطير التي تدلُّ على ثقافة هذا الشاعر الكبير، واطلاعه الواسع على أساطير التاريخ التي استطاع أن يعيد رسمها بالكلمات في أبهى حلّة هيئة.

المراجع[+]

  1. بدر شاكر السَّيّاب, ، "www.wikiwand.com"، اطُّلِع عليه بتاريخ 05-12-2018، بتصرّف
  2. أنشودة المطر, ، "www.adab.com"، اطُّلِع عليه بتاريخ 05-12-2018، بتصرّف
  3. أنشودة المطر, ، "www.aldiwan.net"، اطُّلِع عليه بتاريخ 05-12-2018، بتصرّف
  4. سوبروس, ، "www.adab.com"، اطُّلِع عليه بتاريخ 05-12-2018، بتصرّف