شرح القصيدة الدمشقية

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٥٣ ، ٢٨ مارس ٢٠١٩
شرح القصيدة الدمشقية

الشاعر نزار قباني

وُلِد الشاعر المعروف نزار قباني في عام 1923م، في مدينة دمشق، وتخرّج في كلية الحقوق في جامعة دمشق، وعمل في السلك الدبلوماسيّ في سوريا بين عامَيْ 1945 و 1966م، ولكن بصمته في الشعر العربي هي من خلَّدَتْ اسمه في الأدب العربي والعالمي، وقد تمحور شعره حول الدفاع عن المرأة والحبّ، وكان ذلك نتيجة تأثُّره بانتحار شقيقته التي رفضت الزواج التقليدي، عاش نزار آخر حياته في مدينة لندن وتوفّي فيها عام 1998م، ودفن في دمشق، ولنزار الكثير من الدواوين الشعرية، ومنها: كتاب الحب، وقالت لي السمراء، من قصائده المشهورة القصيدة الدمشقية والتي سيتم شرحها في هذا المقال. [١]

شرح القصيدة الدمشقية

تعدُّ القصيدة الدمشقية من أشهر قصائد الشاعر السوري نزار قباني، فقد انتشرت انتشارًا واسعًا، وفيما يأتي سيتم شرح هذه القصيدة شرحًا وافيًا: [٢]

هذي دمشق وهذي الكأس و الراحُ         إنِّي أحبُ وبعض الحبَّ ذباحُ

أنا الدِّمشقي لو شرحتمُ جسدي            لسالَ منه عناقيدٌ وتفاحُ

ولو فتحتم شراييني بمُديتكم          سَمِعْتمُ في دمِي أصواتَ من راحوا

زراعة القلب تشفي بعض من عشقوا        وما لقلبي -إذا أحببتُ- جرَّاحُ

هي دمشق الجميلة الفاتنة، التي استحوذت على قلب نزار، وأسكرته بخمر حبِّها حتَّى أوصلته للنشوة والهيام، فأحالته دمشقيًا بامتياز، فلو تقطَّع جسدُهُ لرأيتم فيه تفَّاح الشام وعنَبها، ولو فتحتم عروقه فسوف تسمعون مع تدفُّق دمِهِ صوتَ الأجداد الذين رحلوا بلا عودة، ثم ينتقل قباني فيقول: قد يُشفى مريض القلب من أمراضه، لكن ليس لقلبه طبيب يشفيه من حبِّ دمشق.

مآذنُ الشامِ تبكي إذْ تعانقُني          وللمآذنِ كالأشجارِ أرواحُ

للياسمينِ حقوقٌ في منازلنا           وقطَّةُ البيتِ تغفو حيثُ ترتاحُ

طاحونةُ البنِّ جزءٌ من طفولتِنا          فكيف أنسى وعطرُ الهَيْلِ فوّاحُ؟

هذا مكانُ "أبي المعتَزِّ" منتظرٌ        ووجهُ "فائزةٍ" حلوٌ ولمَّاحُ

يقابلُ قباني مآذنَ دمشق فتنهمر دموعها ابتهاجًا برؤيته، ولا عجبَ في ذلك فهي كالأشجار تحبّ وتحن وتعشق، والبيوت الدمشقية الأصيلة ملأى بأزهار الياسمين، ولها على الدمشقيينَ حقوقُ الرعايةِ والاهتمام، والقطط أيضًا تنعم في بيوت الشام بالراحة والطمأنينة، ويستحضر قباني الذكريات القديمة فلا ينسى طاحونةَ القهوة، كما لا تغيب عنه رائحةُ الهال العَطِرة، و تذهب ذاكرته للمكان الذي كان يجلسُ فيه أبوه -أبو المعتز- وهو ينتظر قدومَهُ، ويستحضرُ وجه أمِّه فائزة الجميل والمضيء.

هُنا جذوري، هُنا قلبي، هُنا لغتي      فكيف أوضحُ؟ هلْ في العشقِ إيضاحُ؟

كم من دمشقية باعتْ أساورَها        حتَّى أغازلَها والشعرُ مفتاحُ

أتيتُ يا شجرَ الصفصافِ مُعتذرًا         فهل تُسامِحُ هيفاء ووضاحُ؟

خمسون عامًا وأجزائِي مبعثرةٌ        فوق المحيطِ وما في الأفق مصباحُ

ولد القباني في دمشق وانغرست جذوره بأرضها، وتكلم بلغتها الساحرة، وعشقَ كلَّ ما فيها، وعشقُ الوطنِ لا يحتاج إلى شرح أو بيان، ثمّ يقول: كم من صبية دمشقية تحبُّ الشعر باعت أساورها وحُليَّها بثمن بخس حتَّى أغازلها وأكتب لها قصيدة غزل، فالشعر يفتح مغاليق القلوب، ثمَّ أتى ليعتذرَ لبلادِهِ الحزينة ويعتذرَ للوجوه التي فارقها، فهلْ ستسامحه الحبيبات اللواتي تركهنَّ في ذلك الزمان، بعدما أمضى خمسين عامًا في غربته وشتاته، وليس ثمة أملٌ في العودة.

تقاذفتني بحارٌ لا ضفافَ لها         وطاردتنِي شياطينٌ وأشباحُ

أقاتلُ القُبحَ فِي شِعْرِي وفِي أَدَبَي      حتَّى يفتِّحَ نوَّارٌ وقداحُ

ما للعروبةِ تبْكِي مثلَ أرملةٍ        أليسَ في كُتُبِ التَّاريخِ أفراحُ؟

والشِّعرُ ماذا سيبْقَى منْ أصالتِهِ؟      إذا تولَّاه نصَّاب ومداحُ؟

أوغل في الغربة التي لا تنتهي، وتبعته أعين الرقباء، و لأن الجمال والخير يأسره، كانت مهمته في الشعر محاربة القبح والشر، وتكسره البلاد العربية التي تنوح كأرملة، ألم تكن ذات يوم في بهاء وجمال وخصب، وبما أنَّ مهمة الشعر نفض الغبار عن الجمال ومحاربة القبح، فماذا سيبقى منه إذا كان الشاعر منافقًا، نصابًّا يلعق أحذية الملوك ويتمسَّح ببلاطهم.

الصور الفنية في القصيدة الدمشقية

استكمالًا للحديث عن القصيدة الدمشقية سيتم تسليط الضوء على الصور الفنية في هذه القصيدة، وسيكون هذا على الشكل الآتي:

هذي دمشق وهذي الكأس و الراحُ          إنِّي أحبُ وبعض الحبَّ ذباحُ

في قوله: وبعض الحب ذباح، شبه الشاعر نزار قباني الحب بالإنسان الذي يذبح، فحذف الإنسان وهو المشبه به وكنَّى عنه بشيء من صفاته وهي الذبح، على سبيل الاستعارة المكنية.

مآذن الشام تبكي إذْ تعانقني         وللمآذن كالأشجارِ أرواحُ

في قوله: مآذن الشام تبكي استعارة مكنية لأنَّ الإنسان من يبكي، فقد شبه المآذن بالإنسان فحذف المشبه به وأبقى شيء من صفاته وهي البكاء.

ما للعروبةِ تبْكِي مثلَ أرملةٍ         أليسَ في كُتُبِ التَّاريخِ أفراحُ؟

في قوله: ما للعروبة تبكي مثل أرملةٍ، شبّه الشاعر نزار قباني العروبة بامرأة أرملة تبكي على فراق زوجها، وفي هذا تشبيه مجمل حُذف منه وجه الشبه، فالمشبه هو العروبة والمشبه به الأرملة، وأداة التشبيه هي مثل، وحذف وجه الشبه فكان التشبيه مجملًا. [٣]

المراجع[+]

  1. من هو نزار قباني, ، "www.arageek.com"، اطُّلِع عليه بتاريخ 09-01-2019، بتصرّف
  2. القصيدة الدمشقية, ، "www.adab.com"، اطُّلِع عليه بتاريخ 09-01-2019، بتصرّف
  3. القصيدة الدمشقية, ، "www.aldiwan.net"، اطُّلِع عليه بتاريخ 09-01-2019، بتصرّف