خاطرة عن الصديق

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٥٣ ، ٢٨ مارس ٢٠١٩
خاطرة عن الصديق

خاطرة عن الصديق

لا يمكنُ أبدًا أن يتمَّ حصرُ كلمة الصداقة بعدَّةِ جمل وعبارات رقيقة رنَّانة تدخلُ القلوبَ وتسلبُ الألباب، فالصداقة بحرٌ زاخرٌ من المعاني والمشاعر والأحاسيس التي لا تنتهي ولا تتوقَّفُ أمواجُها عن الدوران في محيطاتِ الحبِّ والوفاء والأمل، وكيف للإنسان أن يعيشَ من دون صديقٍ، فالصديق قبلَ كلِّ شيء يجبُ أن يكونَ مؤنسًا في أوقات الوحدة المريرة التي لا يستطيعُ الإنسان تجاوزها إلا بوجود صديقٍ صادقٍ تثورُ فيه مشاعر الصدق وتفورُ فيه أخلاق الصديق الخَلوق، وهو السند الذي يتّكئُ عليه المرءُ ويستندُ عليه عندما تخونه ظروفه وتتعثَّرُ به الدروب وتعصفُ به رياحُ اليأس، فيلتفتُ حولَه ولا يجدُ غير الصديق الذي ينتظرهُ بابتسامته الساحرة وكفِّه الحانية ليقول له: أنت أخي ولا يمكنُ أن أتركَكَ وحيدًا تعاني مصاعب الحياة دون مُعين، والصديق هو الذي يحملُ صديقَه دائمًا على طريق النجاح والسموّ والخير، ويبعثُ فيه الأمل ويدفعُه دفعًا أمامه لنيل ذلك لأنَّه لا يريد منه أن يتأخر عنه، ولا يريدُ منهُ أن يسقطَ في مهاوي الفشل ومستنقعات الرذيلة.

الصديق هو الأخُ الذي لم تنجبه أمٌّ ولم يعِش مع صديقِه في بيتٍ واحد، ولم يأكلا معًا من الطعام نفسه لكنَّهما شربا من نبعِ الصداقة العذب النقيّ الطاهر وسارا في دروب الوفاء معًا حتَّى كبرا وهرمَا وابيضَّ شعرهما وهو يعكسُ بياضَ قلبيهما الأبيضَين الطيِّبَينِ، الصديق هو الأخُ الذي تتفوقُ فيه مشاعر الأخوة على كلِّ المشاعر الأخرى فلا يرى فيه صديقه إلا أخًا قبل كلِّ شيءٍ، أخًا مُعينًا، وأخًا مؤنسًا، وأخًا يكونُ دائمًا موجودًا في أي لحظةٍ يحتاجُ إليه فيها لا يمنعُه عملٌ ولا يشغله لهوٌ ولا تردعُه أنفةٌ وغرور، وأمَّا من يجعل من مصالحه هي أساس علاقته مع الآخرين، ويبني صداقاته على هذا الأساس فهذا لا يمثِّلُ الصداقة ولا الصديق أبدًا، وإنَّما هو صاحبٌ له غاياتٌ ومصالح لا يعدو أن يكون صاحبًا لفترة مؤقتة تضمنُ تحقيق مصالحه ثمَّ يذهبُ أدراج الرياحِ عندما تنتهي مصلحته عندك.

فكُن سندًا لصديقكِ إذا كان سندًا لكَ، ولا تجعل الصداقةَ طرفًا واحدًا تأكل منه ولا تطعم من يطعمكَ، وكن مخلصًا لم كان مُخلصًا لك، ولا تترك صديقَك الوفيَّ عندما يكون في حاجة إليك، فكُن له كما كان لك؛ لأنَّ الصديق الحقيقيَّ لا يعوَّضُ ولا يقدَّر بثمنٍ ولا يحلُّ مكانه أحد، وهو كنزٌ نادر الوجود في هذا الزمان الذي انعدمَ فيه الوفاء وقلَّ فيه الخير والصدق وانتشر فيه الغدر والكذب والنفاق ولم نعُد نسمعُ عن الصديق الوفيِّ المخلصِ إلا في القصص والروايات.