حكم الإفطار في السفر

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٣٥ ، ١ أكتوبر ٢٠١٩
حكم الإفطار في السفر

فريضة الصيام

فرض الله تعالى على عباده عدة فرائض، بيّنها لهم في كتابه العزيز، وسنة نبيه -صلّى الله عليه وسلّم-، ومن هذه الفرائض الخمسة فريضة الصيام، وسيتم الوقوف مع تعريف الصيام لغةً واصطلاحًا، فالصيام شرعًا: هو مصدر الفعل صام، وهو الإمساك، ويمكن أن يُطلق على الإمساك عن الكلام، وقد خاطب الله تعالى مريم ابنة عمران فقال: {فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا}[١]، أما شرعًا فالصيام هو: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع في وقتٍ محدودٍ من طلوع الفجر حتى غروب الشمس، مع النّية، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}[٢]، وسيتناول هذا المقال حكم الإفطار في السفر.[٣]

حكم الإفطار في السفر

لمعرفة حكم الإفطار في السفر سيتم البحث عن آياتٍ قرآنيةٍ كريمة، أو أحاديثَ نبويةٍ شريفةٍ يمكن استنباط حكم الإفطار في السفر منها، ففي قوله -تعالى- في سورة البقرة بعد بسم الله الرحمن الرحيم: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}[٤]، يُفهم من معناها أن حكم الإفطار في السفر هو حكمٌ مشروعٌ، ورخصة أجازها الله تعالى لعباده، وقد كان النبي -صلّى الله عليه وسلّم- يصوم ويفطر في أسفاره، وكذا أصحابه -رضي الله عنهم- يصومون ويُفطرون، وعليه فمن أفطر فلا بأس، ومن صام فلا بأس؛ لأنّ الإفطار رخصةٌ من رخص الله -عزّ وجلّ- آتاها للمسافرين، سواء أكان المسافر صاحب سيارةٍ أم صاحب جملٍ، أو في السفن.[٥]

أو في الطائرات، فلا فرق في هذه الحالات؛ فللمسافر حقٌّ في أن يُفطر في رمضان، وإن صام فلا بأس، أما إن شقّ عليه الصوم فالأفضل له هو الإفطار، لاسيما إن كان حَرٌّ وشِدةٌ، ويتأكّد الفطر حينها برخصة الله تعالى، وقد قال رسول الله -عليه الصلاة والسلام- في ذلك: "إنّ اللهَ يُحبُّ أن تؤتَى رخَصُه، كما يكرهُ أن تُؤتَى معصيتُه"[٦]، فإذا اشتدّ الحرّ فالسُّنّة هي الإفطار، وقد ورد عنه -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه رأى رجلًا قد ظلّل عيله فسأل عن ذلك، فقالوا: إنّه صائم، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "ليس مِن البِرِّ الصَّومُ في السَّفَرِ"[٧]، ومعنى ذلك أنّ الحكم لمن اشتد به الأمر.[٥]

وأما من كان في حقه أن الصيام لا يضرّه، ولا يشقّ عليه فهو أمام خيارين، إن شاء صام، وإن شاء أفطر، وقد قال النّووي والكمال بن الهُمَام في ذلك: إنَّ الأحاديث التي تدلّ على أفضلية الفطر محمولةٌ على من يتضرّر بالصوم، وفي بعضها التّصريح بذلك، ولا بدّ من هذا التّأويل؛ ليجمع بين الأحاديث، وذلك أولى من إهمال بعضها أو ادّعاء النّسخ من غير دليلٍ قاطع، وأما الذين سوّوا بين الصوم والفطر فقد استدلّوا بحديث أمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنّ حمزة بن عمروٍ الأسلميّ -رضي الله تعالى عنه- قال للنبيّ -صلى الله عليه وسلم- أَأَصُومُ فِي السفر؟ -وقد كان كثيرَ الصيام- فقال: "إنْ شِئْت فَصُمْ، وَإِنْ شِئْت فَأَفْطِرْ"،[٨]وبهذا تمّ توضيح حكم الإفطار في السفر.[٩]

مُبيحات الإفطار في رمضان

بعد التعرف إلى حكم الإفطار في السفر من خلال الاستدلال بأحاديثه -عليه الصلاة والسلام-، وفهم معاني الآيات القرآنية التي ذكرت الصيام في السفر، من الجدير بالذكر أن يتم التعرّف إلى المبيحات التي تقول بجواز الإفطار في شهر رمضان المبارك، حيث إن الله -جلّ وعلا- عندما فرض الصيام على عباده فرضه على من يستطيع الصوم، وأباح الفطر لمن لا يستطيع، وجعل لذلك أعذارًا شرعيّةً سيتمّ ذكرها فيما يلي: أول هذه الأعذار الشرعية هو المرض، وهو كل ما يُخرج الإنسانَ عن صحّته من علّة، وقد أجمع العلماء على إباحة الفطر للمريض جملةً وأصلًا؛ لما ورد في سورة البقرة من قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}.[١٠][١١]

فالمريض الذي يخشى زيادةَ المرض بالصوم، أو إبطاءً في الشفاء، أو فسادَ عضوٍ، فإنّ له أن يُفطر، ويُكره إتمامُه للصوم؛ لأنه يودي به إلى الهلاك، أما إن خشي الشدة أو التعب فلا يجوز له الفطر، والعذرُ الشرعيّ الثاني هو: السفر مشروطٌ بالشروط التالية: أن يكون طويلًا بحيث يجوز قصرُ الصلاة فيه، وألا يعزم المسافر الإقامة خلال سفره، وألا يكون سفرًا لمعصية، وتسقط رخصة السفر اتفاقًا بحصول أمرين هما: عودة المسافر لبلده ودخول وطنه -أي محلّ إقامته-، وفي حال نية المسافر الإقامة مطلقًا، أو أن تكون مدّة إقامته في مكانٍ واحدٍ صالحٍ للإقامة، فيعدّ مقيمًا عندها فيُتمّ الصَّلاةِ، ويصوم ولا يفطر؛ لانقطاع حُكم السفر، أما العذر الشرعي الثالث فهو: الحمل والإرضاع.[١١]

فقد أجمع الفقهاء على أنّ الحامل والمرضع يجوز فطرهما في رمضان شريطة الخوف على نفسيهما أو على ولدهما من المرض أو زيادته، فيدخلان في رخصة الإفطار، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ اللَّهَ وضعَ عنِ المسافرِ الصوم وشطرَ الصَّلاةِ، وعنِ الحاملِ أوِ المُرضعِ الصَّومَ أوِ الصِّيامَ"[١٢]، رابع الشروط هو: الشيخوخة والهرم، أي إنّ الحكم يشمل الشيخ الفاني، أو الذي أشرف على الفناء، والمريض الذي لا يُرجى بُرؤه، ودليل ذلك قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}[١٣]، العذر الخامس هو: إرهاق الجوع والعطش، ويشمل من أرهقه جوعٌ مفرطٌ، أو عطشٌ شديدٌ، فهذا له أن يُفطر ويأكلَ بقدر ما تنقضي به ضرورُته، ويمسك بقية يومه، ثمّ يقضيه.[١١]

الحكمة من تشريع الصيام

بعد الاطلاع إلى حكم الإفطار في السفر، ثمّ معرفة ما هي المبيحات التي تجيز الإفطار في رمضان، وما هي الضوابط التي يجب عندها الفطر في رمضان، سيسأل سائلٌ ما هي الحكمة التي أرادها الله تعالى من تشريع الصيام؟ فتأتي الإجابة كما يلي: إنّ الله تعالى لم يفرض فريضةً على عباده إلا وكانت لهم بها فوائد، ومنها فريضة الصيام؛ حيث إنّ الصيام وسيلةٌ لتحقيق تقوى الله -عزّ وجلّ- من خلال الالتزام بما شرّع وأمر، والصيام يُشعر الصائم بنعمة الله تعالى عليه بعد امتناعه عن جميع المفطرات من طعامٍ وشراب، والصائمُ بصيامه يتذكّر إخوانه المساكين والفقراء ويشعر بألمهم ومعاناتهم، فيرحمهم ويمدّ لهم يدَ العون.[١٤]

كما أن الصيام قهرٌ للشيطان من خلال اجتناب الشهوات التي يستخدمها الشيطان لإغواء البشر، كما ويكسر الصيام حدّة الشهوة لدى الصائم، وبالمداومة على الصيام تتولد الاستقامة وغضّ البصر والبعدُ عن المحرّمات ومجاهدةُ النفس، والصيامُ يوحّد مشاعر المسلمين؛ حيث يلتزم الصائمون منهجًا تربويًا واحدًا في بِقاع الأرض جميعًا، والكلُّ ممتثلٌ لأمر الله تعالى.[١٤]

مواضع ورود الصيام في القرآن

بعد أن تمّت الإجابة عن السؤال: ما هو حكم الإفطار في السفر؟، وبعد أن تمّت الإشارة إلى الحالات التي تقول بجواز حكم الإفطار في السفر، سيتمّ البحث عن مواضع ورود الصيام في القرآن الكريم، والإشارة إليها، وهي كثيرة، ومنها قوله تعالى في سورة المجادلة: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا}[١٥]، وفي سورة المائدة: {أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ}[١٦]، وفي سورة النساء: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ}[١٧][١٨]

المراجع[+]

  1. سورة مريم ، آية: 26.
  2. سورة البقرة، آية: 183.
  3. "فريضة الصيام في الإسلام "، ar.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 01-10-2019. بتصرّف.
  4. سورة البقرة، آية: 185.
  5. ^ أ ب " مشروعية الفطر للمسافر "، www.binbaz.org.sa، اطّلع عليه بتاريخ 01-10-2019.
  6. رواه ابن باز ، في مجموع فتاوى ابن باز، عن عبدالله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 238/15، ثابت.
  7. رواه البخاري ، في صحيح البخاري، عن جابر بن عبدالله ، الصفحة أو الرقم: 1946 ، صحيح.
  8. رواه البخاري ، في صحيح البخاري، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 1943 ، صحيح.
  9. " أيهما أفضل : الفطر في السفر أم الصوم ؟"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 29-09-2019. بتصرّف.
  10. سورة البقرة ، آية: 184.
  11. ^ أ ب ت " الأعذار التي تبيح الفطر في رمضان"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 01-10-2019. بتصرّف.
  12. رواه الألباني ، في صحيح الترمذي، عن أنس بن مالك ، الصفحة أو الرقم: 715 ، حسن صحيح.
  13. سورة البقرة ، آية: 184.
  14. ^ أ ب "الحكمة من تشريع الصيام"، www.saaid.net، اطّلع عليه بتاريخ 01-10-2019. بتصرّف.
  15. سورة المجادلة، آية: 4.
  16. سورة المائدة، آية: 95.
  17. سورة النساء، آية: 92.
  18. "آيات ورد فيها "صيام""، www.almaany.com، اطّلع عليه بتاريخ 01-10-2019. بتصرّف.