حكم اقتناء الكلب في الإسلام

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٠٦ ، ١ أكتوبر ٢٠١٩
حكم اقتناء الكلب في الإسلام

اقتناء الحيوان في الإسلام

اعتاد الإنسان قديمًا اقتناء الحيوانات وترويضها لغايات شتّى؛ منها مجرّد التّسلية بالبهائم والتّمتع بها، ومنها التّغذي عليها، أو الاستفادة من قوتها، ومن مهاراتٍ فطرت عليها؛ حتى صار امتلاك الحيوانات والأنعام جزءًا مما زُيّن للناس من شهوات الحياة، وقد نظّم الإسلام أحكامًا تتعلق باقتناء الحيوان، فحرّم الإسلام بعضه؛ لعلّة ضرره؛ كالحيوان المفترس؛ لخطورة انفلاته، ومنها لنجاسته، وتنافي اقتنائه مع أصول الطهارة التي أمر بها الإسلام، ومنها ما أجازه لتسلية الأطفال، أو أحلّ ذبحه كالبقر والغنم، أو أحل ترويضه لحماية المكان كالكلاب، وقد راعى الإسلام في تفصيل أحكامها أمر الضرورات تاركًا باب الاجتهاد المتناسب مع متطلبات العصر، وسيتم التفصيل في حكم اقتناء الكلب في الإسلام كواحد من أكثر الحيوانات تخصيصًا في الأحكام وتفصيلًا فيها.[١]

حكم اقتناء الكلب في الإسلام

الكلب حيوان يتغذى على اللحم ما يجعله يتسم بالشراسة والأذى، ولكن الإنسان استطاع ترويض الكلاب؛ حتى صارت الكلاب من أكثر الحيوانات التي تألف البشر، وقد حدد العلماء والفقهاء من خلال دراستهم للأحاديث الشريفة حكم اقتناء الكلب في الإسلام بمختلف حالاته وتفصيلاته بين التحريم والجواز، فكان الأصل في تربية الكلب واقتنائه التحريم؛ مع وجود الاستثناء المعروف بالحالة، والمفصل يرويه أبو هريرة عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: "مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ صَيْدٍ وَلا مَاشِيَةٍ وَلا أَرْضٍ فَإِنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ قِيرَاطَانِ كُلَّ يَوْمٍ"[٢]، وعليه فلا يجوز للمسلم أن يقتني الكلب إلى لمنفعة في استخدامه بالصيد، أو لحماية الماشية، وحفظها من الحيوانات المفترسة، وتنبه صاحبها على وجودها، أو في حماية الزرع من اللصوص، وهو في غير ذلك محرّم بالإجماع، ويحمل على هذا الحديث إن كان في الأمر منفعة كحماية البيت مثلًا؛ لا سيما إن كان البيت في مكانٍ قَصيٍّ أو في بلد يكثر فيه اللصوص.[٣]

ويُعلم من الحديث أيضًا أنّ مخالفة أمر الشريعة الإسلامية، واقتناء الكلب لمجرد التسلية والهواية يسبب النقص في الأجر، وقد اختلف العلماء في أمر النّقص على اخلاف الرواية بين قيراطين وهو ما جاء في صحيح مسلم، أو قيراط في رواية البخاري، والأكثر على أنّ زيادة الأذى تستوجب زيادة النقص، فكلما كان أذى الكلب أكبر؛ كلما كان النّقص في أجر صاحبه أشد.[٣]

ضوابط جواز اقتناء الكلب

تمتلك الكلاب قدرات ومهارات فطرها الله سبحانه عليها، لا يستطيعها غيرها من الحيوانات، وقد استطاع الإنسان معرفتها والاستفادة منها، وبعد أن تم ذكر حكم اقتناء الكلب في الإسلام، وتحديد ما يحرم فيه وما يجوز؛ لا بد من التفصيل في ضوابط ما يجوز في حكم اقتناء الكلب في الإسلام، وهي تخص الصيد وحراسة الماشية والزرع، ففي حالة اقتناء الكلب للصيد؛ يفضّل تدريب الكلب على الإمساك بالصيد لقتله دون نهشه، والأكل منه، وقد ذكر الفقهاء حكم ما عضه الكلب، وفي ذلك قولان:[٤]

  • الرأي الأول: وجوب غسل مكان عضة الكلب؛ لأن ريق الكلب نجس، وهو المعتمد في المذهب الشافعي والمذهب الحنبلي، وهذا ظاهر رأي المذهب الحنفي؛ مستدلًا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا ولغَ الكلبُ في الإناءِ فاغسلوهُ سبعَ مرَّاتٍ وعفِّروهُ الثَّامنةَ بالتُّرابِ"[٥] ، وقد قاسوا على نجاسة الماء الذي شرب منه الكلب نجاسة اللحم مكان عضته.
  • الرأي الثاني: لا يجب غسل ما عضه الكلب، وهو مما يعفى عنه لقوله تعالى في القرآن الكريم : {وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ۖ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ}[٦] ، وهو قول بعض الشافعية والحنابلة، ورجّحه ابن تيمية، والشيخ ابن عثيمين، فلم يقل: اغسلوه، ولأن ما يخرج في ريق الكلب من معدته أثناء الشرب لا يخرج في حالة العضّ، والنبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا ولغ" ولم يقل إذا عضّ، كما لم يرد عن الصحابة أنهم غسلوا اللّحم سبع مرات وواحدة بالتّراب، وهذا أظهر القولين؛ لقوة أدلته، ولما فيه من تخفيف المشقّة، وهذا استثناء محدد لا يقاس عليه.

وكلاب الحراسة تدرّب أيضًا على طاعة أصحابها وقيادة المواشي وتوجهها ومن الأفضل تدريبها على الشّرب من إناء محدد يخصص لها، وأن تبتعد عن أماكن جلوس النّاس وأماكن الصلاة؛ كي لا يصاب المكان بنجاستها، وعلى أصحابها الانتباه في حالة شرب الكلب من إناء أرادوا استعماله، فعليهم تطهيره، أو إذا مرّ الكلب حيث يصلّون، فعليهم التّحري ما إذا أصاب هذا المكان شيء من نجسه، وأمّا الكلب الذي يحرس البيت، فيجب إبقاؤه خارجّا، وعدم إدخاله للبيت لما ورد في حديث النّبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا تدخلُ الملائكةُ بيتًا فيه كلبٌ ولا تماثيلُ"[٧] على أن كثير من العلماء قالوا: إنّ هذا الحديث يشمل فقط ما لا يجوز اقتناؤه، أمّا ما يجوز اقتناؤه؛ فهو لا يمنع دخول الملائكة للحاجة أحيانًا بأن يكون مكان الكلب ومبيته من ضمن البيت مع التأكيد على أن اقتناء الكلب خارج البيت أو داخله حرام إن لم يكن لغرض الحراسة والحماية فقط.[٨]

أحكام حديثة حول اقتناء الكلب

ضمنت أحكام الشريعة ترك باب الاجتهاد لمقتضيات كل عصر، وفي حكم اقتناء الكلب في الإسلام متّسع يستنبط من الاستثناء الذي ورد في حديث الرسول -عليه الصلاة والسلام- في أمر الحراسة والصيد؛ حيث قاس عليه العلماء مختلف حالات المنفعة، ومنها أن بعض الشعوب تستخدم الكلاب في قيادة العربات على الثلج لا تجد سواها، وهذه تندرج من ضمن المنفعة، ومن تلك المنافع أيضًا التي توّصل إليها الإنسان وعرفها في هذا العصر:

  • اقتناء الكلاب البوليسية التي تساعد على اكتشاف الجرائم، وتفيد المحققين في معرفة الجناة، وكذلك تلك القادرة على اكتشاف الممنوعات، كالمخدرات والحبوب التي تُفقد العقل، وقد ثبت أن الكلاب قادرة فعلا على القيام بهذا إذا تدربت، وفي هذا منفعة كبرى يجب استغلالها لدفع الضرر عن الناس، وقد أجاز العلماء تربية الكلاب وتدريبها لهذه المهمة وغيرها في أماكن خاصّة مع تفضيل أن يقوم بتدريبها والاستفادة منها أهل الاختصاص على أن يعرفوا أحكام النظافة والطهارة التي تتعلق بالتعامل مع الكلاب؛ حتى لا يؤثر ذلك في أدائهم لفرائضهم.[٩]
  • أجاز العلماء اقتناء الكلب لقيادة الأعمى، وقد ثبت أن الكلب المدرَّب قادر على مساعدة من فقد بصره في أداء مهامه، مثل السير على الطرقات، وربما في نقل بعض الحاجيات، وفي هذا منفعة مباحة إن لم يجد هذا الأعمى وسيلةً غيرها.[١٠]

بعض الأحكام المتعلقة باقتناء الكلاب

لا بدّ بعد ذكر حكم اقتناء الكلب في الإسلام، والتوسع في استنباطات العلماء أن سيتمّ ذكر بعض الأحكام المهمّة التي تتعلق باقتناء الكلاب:

  • يحرم اقتناء الحيوان المهجّن المولود من تزاوج كلب مع ذئب كحرمة اقتناء الكلب من غير منفعة.[١١]
  • إذا ولدت الكلبة يحرم قتل الجراء، ويحرم إبعادهم عنها إلا بعد فطامهم واستغنائهم عنها، والرفق بالحيوان واجب بكل الأحوال، وعليه أجر لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "في كُلِّ ذاتِ كَبِدٍ رَطبةٍ أجْرٌ"[١٢] وعليه فلا يجوز إيذاء الحيوان أبدًا.[١٣]
  • لا بأس بإهداء الكلب إذا كان المُهدى إليه عارف بأحكامه، أمّا بيعه؛ فهو محرم لقوله -عليه الصلاة وسلام-: "إذا جاءَكَ يَطلُبُ ثَمَنَ الكَلبِ؛ فاملَأْ كَفَّيْه تُرابًا"[١٤] ومجموع العلماء على حرمة بيع الكلب مدرَّبا كان أم غير مدرب، وأمّا حديث جواز بيع كلب الصيد، فهو حديث ضعيف بالإجماع؛ فإن كان بحاجة كلب صيد أو حراسة، ولم يجد من يعطيه كلبًا إلا بالبيع جاز له، والإثم على من باع؛ لأنه باع ما لا يجوز بيعه.[١٥]
  • اختلف في نجاسة الكلب والغالب أنه ليس نجس العين؛ وإنما نجاسته في لعابه ورطوبته، وقال بعض العلماء في نَفَسه إذا اقترب حتى لامست رطوبة نَفَسه الثوب أو الأثاث، وتنظيف طهارة الكلب غسلها سبع مرات، وإحداهن في التراب من حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: "طُهُورُ إِنَاءِ أحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الكَلْبُ أنْ يَغْسِلَهُ سَبْعًا، أولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ"[١٦] والأحوط أنّه إن مسّ الكلب، وعلى يده أو على جسد الكلب رطوبة أن يغسلها سبع مرات إحداها بالتراب.[١٧]

المراجع[+]

  1. "حكم اقتناء الحيوان وبعض ضوابطه"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 30-09-2019. بتصرّف.
  2. رواه الألباني، في صحيح النسائي، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 4301، صحيح.
  3. ^ أ ب "تحريم اقتناء الكلاب إلا ما استثناه الشرع"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 30-09-2019. بتصرّف.
  4. "هل ينجس الصيد إذا أمسكه الكلب بفمه ؟"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 30-09-2019. بتصرّف.
  5. رواه الألباني، في صحيح النسائي، عن عبدالله بن مغفل، الصفحة أو الرقم: 67، صحيح.
  6. سورة المائدة، آية: 4.
  7. رواه الألباني، في غاية المرام، عن عائشة ام المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 135، صحيح.
  8. "حكم اقتناء الكلب لحراسة الدجاج"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 30-09-2019. بتصرّف.
  9. "حكم العمل في تدريب الكلاب البوليسية"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 30-09-2019. بتصرّف.
  10. "حكم اقتناء الكلب لقيادة الأعمى"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 30-09-2019. بتصرّف.
  11. "حكم اقتناء حيوان مهجّن من ذئب وكلب"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 30-09-2019. بتصرّف.
  12. رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج المسند، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم: 10699، إسناده صحيح على شرط الشيخين.
  13. "حكم اقتناء الكلب لحراسة البيت"، www.binbaz.org.sa، اطّلع عليه بتاريخ 30-09-2019. بتصرّف.
  14. رواه شعيب الأرناؤوط، في شعيب الأرناؤوط، عن عبدالله بن عباس، الصفحة أو الرقم: 3273، إسناده صحيح.
  15. "تحريم بيع الكلب"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 30-09-2019. بتصرّف.
  16. رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج مشكل الآثار، عن محمد بن سيرين، الصفحة أو الرقم: 7/ 69، إسناده صحيح على شرطهما.
  17. "اقتناء الكلب ولمسه وتقبيله"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 30-09-2019. بتصرّف.