حضور الرمز في شعر السياب

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٣٧ ، ١٥ مايو ٢٠١٩
حضور الرمز في شعر السياب

بدر شاكر السياب

الشاعر بدر شاكر السيّاب من أشهر الشعراء العرب وأحد رواد الشعر الحر في العصر الحديث، ولدَ السياب في إحدى قرى مدينة البصرة عام 1926م، واعتبرَ الكثير من النقاد أنَّ قصيدة هل كان حبًّا لهُ هي أول قصيدة من الشعر الحر، صدر له أوَّل ديوان بعنوان أزهار ذابلة عام 1947م، وبعد خمسينيات القرن الماضي توجّه وسخَّر كل جهوده في سبيل كتابة الشعر الحر فقط، وكتب منه القصائد الطويلة منها: المومس العمياء، الأسلحة والأطفال، حفار القبور، ومن أشهر دواوينه: أنشودة المطر، المعبد الغريق، منزل الأقنان، توفّي عام 1964م بعد معاناة مع المرض استمرَّت لسنوات، وفي هذا المقال سيدور الحديث حول حضور الرمز في شعر السياب وبعض قصائده.

حضور الرمز في شعر السياب

لم يكُن الشاعر بدر شاكر السياب أول شاعر عربي من شعراء العصر الحديث يستخدم الرمز ويوظِّفه في أشعاره رغمَ أنه بدأ بالشعر الكلاسيكي، ثمَّ تأثر بالمدرسة الرومانسيّة خاصةً بالشاعر اللبناني أبي شبكة والشاعر الفرنسي بودليير، غيرَ أنَّه بدأ فيما بعد بإضافة مخزونه الشعري وما أنتجته موهبته إلى شعره الواقعي، فظهرت إضافاته تلك في أشعاره الذي اتَّخذت نمطَ الشعر الحديث الحر وذلك في أشهر قصائده المطوَّلة والتي كانت من الشعر الرمزي ومنها: حفار القبور، المومس العمياء، الأسلحة والأطفال وغيرها، أمَّا ديوان أنشودة المطر فإنَّه يحتوي على الكثير من القصائد الحديثة التي جمعت بين الشكل الفني الحديث والمضمون الاجتماعي، ومن أشهر قصائده: أنشودة المطر، مدينة السندباد، بروس في بابل، قصيدة المسيح، النهر والموت. ويظهرُ في هذه القصائد الصوت المميز في الشعر العربي الحديث، حيثُ يُظهِر فيها السياب قدراته الإبداعية وموهبته النقية والفريدة في استخدام الرمز.[١]

وقد كان السياب ممَّن نقلوا الشعر من القالب القديم والتقليدي إلى لغة وشكل جديد وفق ما يُمليه العصر والحياة الجديدة، وأدخلَ عليه الرمز بقوة، وقد مكَّنه من ذلك جرأته التي تحلّى بها وانفتاحه على آداب الغرب وأساليبه في التعبير والتفكير والواقع السياسيّ المُضطرب الذي زلزل بلاد الشرق كلها، فحرَّر القصيدة من نظام العروض إلى حريّة لا نهائية، وتمكّن من التصرف بالتفعيلة والقافية وفق الحالة الشعورية التي يعيشها، ووظَّف الرمز بشكل مُذهل وموسَّع، ويقول السياب في ذلك بشكل جليٍّ: "نشأ الرمز في العراق وكان السبب سياسيًّا محضًا، ولقد كنا نحاول في العهد الملكي -زمن الملك نوري السعيد- أن نهاجم هذا النظام، ولكنَّنا كنا نخشى أن نهاجمه صراحةً، فكناَّ نلجأ إلى الرمز تعبيرًا عن ثورتنا عليه، ثمَّ شاع الرمز بصورة أعمق، ربَّما ولأغراض غير سياسية لأنَّ الأغراض السياسية أغراض مؤقتة".

بالإضافة إلى ذلك فقد زخرت أشعار السياب بثروة الفكر وغزارة المعنى، والجنوح إلى التغلغل في جوانح النفس والإغداق في استخدام الرمز في قصائده، فحضور الرمز في شعر السياب لم يكن عابرًا، بل من أكثر ما يُدهش القارئ كثرةُ استخدام الرمز في شعر السياب الذي كان يضفي على القصيدة زيًّا بديعًا يلحُّ فيها على مشهد يثير النفوس ويستخدمُ ألفاظًا معبرةً عن ثورة متأججة بداخله، فكان الرمز في شعر السياب حاضرًا على شكل ميثولوجيا يوظِّفها السياب وفق ما تُمليه عليه الحاجةُ في النصّ، وأكثر الرموز التي استخدمها السياب في أشعاره رموز التجديد والبعث وتموز وعشتار وأورفيوس وأدونيس والمسيح والسندباد وسيزيف وميدوزا وجيكور وغيرها من الرموز الكثيرة.

إضافةً إلى أنَّ الرمز في شعر السياب كان مستَمَدًّا من السيرة النبوية والقرآن الكريم وبعض الرموز في الدين وغيرها من خارج الدين أيضًا كصلب المسيح وما في الطبيعة من رموز يمكنُ للشاعر أن يستخدمها، وعلى ذلك يمكن القول إنَّ السياب عانى في حياته من الكثير من الأحزان والمآسي وشهدت حياته منعطفات كثيرة كما الحالة السياسية والصراعات الطائفية والحروب الأهلية في تلك الفترة، وكل ذلك كان له تأثير كبير على حضور الرمز في شعر السياب فبرعَ في توظيفه وفاقَ الجميع في ذلك.[٢]

شواهد عن الرمز في شعر السياب

بعد الحديث عن حضور الرمز في شعر السياب وتفوق الشاعر الكبير في استحضار الرمز في أشعاره، لا بدَّ من إدراج بعض الأمثلة عن ذلك لإظهار قدرة الشاعر على توظيف الرمز في الشعر فيما يأتي:

  • أسطورة أدونيس: يقول السياب في إحدى قصائده وهو مقطع من قصيدة مدينة السندباد، يستخدم فيه أسطورة أدونيس وهو إله الخير والنعم إلا أنَّ الشاعر لا يرى الحياة والخير إلا سرابًا بسبب اليأس الذي يعاني منه: [٣]
أهذا أدونيسُ، وهذا الحواءْ؟
وهذا الشحوبُ، وهذا الجفافْ؟
أهذا أدونيسُ؟ أين الضياءْ؟
أين القطافْ؟
  • الرموز الدينية: استخدام السياب أحداثًا ورموزًا من السيرة النبويّة في أشعاره، وفي قصيدة مدينة السندباد أيضًا يشيرُ إلى النبيّ محمّد ليعبّر عن حالة الانهيار المُريع الذي أصاب الأمة، يتجلّى هذا في المقطع الشعريّ الآتي:[٣]
همُ التتارُ أقبلوا ففي المَدى رعافْ
وشمُسنا دمٌ وزادُنا دمٌ على الصِّحافْ
محمدُ اليتيمُ أحرقُوه فالمساءْ
يضيءُ من حريقِه وفارَتْ الدمَاءْ
من قدمَيه من يدَيه من عيونِه
وأحرق الإلهُ في جفونِه
محمَّدُ النبيُّ في حراءَ قيَّدوه
فسمِّر النهار حيثَ سمَّروهْ
غدًا سيصلبُ المسيحُ في العراقْ
ستأكلُ الكلابُ من دمِ البراقْ
  • رموز من الطبيعة: استخدم عناصرَ الطبيعة بشكل كبير خاصّةً المطر، فقد عبر السياب عن الخير والخصب والنماء والثورة ضد الظلم السياسي والاجتماعي وعن الجوع أحيانًا بالمطر، وأكثر من استخدام كلمة المطر في أشعاره كما في هذا المقطع من قصيدة إلى جميلة بوحيرد: [٤]
جاء زمانٌ كانَ فيهِ البشرْ
يفدونَ من أبنائِهم للحَجرْ
يا ربُّ عطشَى نحنُ هاتِ المطرْ
روِّ العطاشَى منه روِّ الشجرْ

المراجع[+]

  1. "بدر شاكر السياب"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 14-05-2019. بتصرّف.
  2. "بدر شاكر السياب"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 14-05-2019. بتصرّف.
  3. ^ أ ب "مدينة السندباد"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 14-05-2019. بتصرّف.
  4. "إلى جميلة بوحيرد"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 14-05-2019. بتصرّف.