تعريف الحضارة لغة واصطلاحًا

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٤٢ ، ١٢ سبتمبر ٢٠١٩
تعريف الحضارة لغة واصطلاحًا

دراسة الحضارة

كما في كل المراجع التي آتت وستأتي على ذكر الحضارة، سيكون من الملاحظ أن لهذه الكلمة أو لهذا المفهوم صدًا واسعًا من التضاد والاختلاف، وهذا يشير إلى مدى اتساعها وشمولها، كما يشير إلى فهم كل اللذين كتبوا عنها وفيها، فعند الحضارة قلما يوجد اتفاقٌ بين اثنين حول المفهوم والامتدادات والدلالات والشمول، والحقيقة إن الباحث إن قرر أن يخلُص إلى مفهومٍ شاملٍ للحضارة وتعريفٍ شافٍ لها، سيكون بحاجةٍ إلى جانب دراسته لكتب الحضارة وتبويباتها، إلى دراسة التاريخ وعلم الاجتماع، وسيرد إلى الفلسفة، وينهل من الجغرافيا والسياسة، وسيتوقف عند العلوم الإنسانية والتطبيقية، ولهذا يحاول هذا المقال أن يقدم مدخلًا لدراسة الحضارة، فيخصص سطوره للحديث حول تعريف الحضارة لغةً واصطلاحًا.[١]

تعريف الحضارة لغة واصطلاحًا

للوصول إلى تعريفٍ شافٍ ووافٍ للحضارة لغةً واصطلاحًا، سيكون من المهم أن يعرف القارئ الكريم إن الحضارة بهذا اللفظ والمفهوم إنما هي كلمةٌ جديدةٌ نسبيًا، فهي نتاج العصور الحديثة والمعاصرة، وهذا أساسًا سبب التضارب والتضاد السابق ذكرهما بدايةً، وما يجعل الاتفاق على مفهومٍ وتعريفٍ معينٍ هو أن الحضارات لا تشبه بعضها قطعًا، فإن اشتركت وتشابهت في شيءٍ ما، فهي حتمًا ستعود لتختلف في عديد الأشياء، وبناءًا على هذا يحاول المقال أن يقدم تعريف الحضارة لغةً واصطلاحًا بحيث يراعي أن يكون التعريف شاملًا قدر الممكن.[٢]

تعريف الحضارة لغة

لغايات الوصول إلى تعريف الحضارة لغةً واصطلاحًا فسينقسم التعريف إلى قسمين اثنين، أما تعريفها لغةً، فحسب لسان العرب لابن منظور، فإنه يمكن تعريف الحضارة لغةً، بالنظر في اشتقاقاتها وجذورها اللغوية، حيث أورد ابن منظور أكثر من استخدامٍ يمكن أن يكون أساسًا للفظ الحضارة، موجزها فيما يأتي[٣]:

  • الحُضور وهو ضد المغيب والغَيبة، فيقال حَضَرَ يَحضُر حُضورًا حضارةً.
  • كلمه بمحضر فلان وبحضرته أي بمشهدٍ منه.
  • كنا بحضرة ماءٍ، ورجلٌ حاضرٌ، وهي هنا بمعنى عنده.
  • كنت بحضرة الدار، وهي بمعنى قرب الشيء
  • الحضر ضد البدو، والحضارة ضد البداوة

تعريف الحضارة اصطلاحًا

في تعريف الحضارة لغةً واصطلاحًا، يُلاحظ أن التضارب الكبير إنما هو في تعريف الحضارة اصطلاحًا لا لغةً، فالبعض يعرفها بأنها: مذاهب وعقائد دينية، وهي مرتبطةٌ بالاقتصاد ونموه، وآثار العمران وتطوره وفنونه، كم إنها نظامٌ تشريعيٌّ واجتماعيٌّ يشمل العادات والتقاليد، وفنون الحرب والقتال، ويعرفها آخرون بأنها المنجز البشري بشقيه السلوكي والمعرفي، وآخرون يعرّفونها بكونها: نتيجة ما تبذله البشرية من جهود،ٍ ترمي لتحسين واقعها ومعيشتها، حتى لو كانت تلك الجهود عشوائيةً وغير مقصودةً، أو لو كانت منظمةً ومقصودة، ولا ضير فيما لو كانت النتيجة حسيةٌ معنويةٌ، أو لو كانت واقعيةً مادية.[٤]

الحضارة في المفهوم الغربي

بدايةً لا بُدّ من نظرةٍ على مفهوم Culture الذي يعني أصله اللاتيني، الحرث والزراعة، وهذا المعنى ظل يرافق هذه اللفظة طوال عصورٍ مديدةٍ -العصور اليونانية والرومانية- وأخذت معنىً مجازيًا يدلل على الدين والعبادة من منظورٍ فلسفيٍّ، ثم فيما يعرف بعصور النهضة، أصبح استخدام culture محدودًا بدلالاته الأدبية والفنية، وصولًا إلى كتاب "بداية الثقافة/الحضارة" لإدوارد تيلور، حيث قدم تعريفًا شاملًا للفظة culture وقال فيها: " هي ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق، والقانون والعرف، وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان حيث هو عضو في مجتمع." ويقول عنها المفكر الإنجليزي "ميتيو أرنولد" بأنها: "عملية ارتقاءٍ نحو الكمال الإنساني، متنثلةً بأفضل الأفكار، وبتطوير الخصائص الإنسانية المميزة" هذا إضافةً إلى العديد من التعريفات الأخرى.[٣]

مشكلات في نقل وترجمة الحضارة

بعد أن قدم المقال صورةً عامةً حول تعريف الحضارة لغةً واصطلاحًا، فإنه وعلى عجالةٍ يستعرض أبرز ما أدخلته الترجمة والنقل من المفهوم الأوروبي للحضارة من إشكالاتٍ، وهذا ما يفسر حجم التضارب الملحوظ، والذي يحول دون الوصول إلى تعريفٍ أو اتفاقٍ حول مفهوم الحضارة، وفيما يأتي نظرةٌ على أبرز المشكلات في اتجاهات ترجمة culture إلى العربية[٣]:

  • تحميل الألفاظ العربية التي قابلة ترجمة مصطلحات مثل culture ما لا تحمله أصلًا من معانٍ، ثم مطابقتها قصرًا على المفهوم الغربي، ما عمل على تفريغ الألفاظ العربية مثل الحضارة من معانيها، وطمس مدلولاتها الأصلية.
  • تُرجمت لفظة culture إلى لفظين عربيين لا يشتركان في المعنى ولا في المدلول حتى، فمرةً تمت ترجمتها إلى "الثقافة" ومرة أخرى ترجمت إلى "الحضارة" وهذا أحد أهم أسباب الاختلاف والتفاوت الذي سبق ذكره.

إنسانية الحضارة

"الحضارة ظاهرةً إنسانيةً عامةً" حيث الإنسان هو الوحيد على الأرض الذي يمكنه أن يبتدع ويبتكر، فيرتقي بذلك الإبداع والابتكار ويحسن ظروفه جميعها أو بعضها، وهو في سبيل ذلك يسخر عقله وفكره، ثم من خلال تسخير العقل والتفكير، يعمل على استغلال الفرص والدوافع التي تلوح في أفقه، وهي التي من شأنها أن تحمله وتحفره إلى الرقي والتحضر، والحقيقة إن لكل شعبٍ حضارته الخاصة به، سواءً ارتفع مستوى هذه الحضارة الخاصة به أم انحدر، فرقي الحضارة أو انحطاطها ما هو إلى مقياسٌ نسبيٌ في الواقع، فإنما تقاس الحضارات وتصنف قياسًا بالظروف والعوامل والفرص التي عملت دور الحافز، فحضت الإنسان -بصورةٍ أو بأخرى- على أن يمضي قدمًا في رقيّه، مكرسًا جهوده وأفكاره ووقته، ليصل أخيرًا إلى الحضارة بمفاهيمها الحالية.[٥]

وعلى هذا فإن مقارنة حضارتين معًا، يحتاج إلى أن تكون كلتا الحضارتين عاشت الظروف ذاتها أثناء قيامها وتطورها، وإلا فإن المقارنة لا تصح حينها، وهذا ما يضحد القول الذي يرمي إلى أن إنجاز الحضارة مقصورًا على أجناسٍ معينة.[٥]

المراجع[+]

  1. حسين مؤنس (1978)، الحضارة: دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب، صفحة 7. بتصرّف.
  2. سيف الدوري (2012)، مفهوم الحضارة كما يصورها القرآن ، صفحة 3،6. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت نصر عارف (1994)، الحضارة - الثقافة - المدنية : دراسة لسيرة المصطلح و دلالة المفهوم (الطبعة الثانية)، عمان- الأردن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، صفحة 19،20،56. بتصرّف.
  4. سيف الدوري (2012)، مفهوم الحضارة كما يصورها القرآن، صفحة 6. بتصرّف.
  5. ^ أ ب حسين مؤنس (1978)، الحضارة دراسة في أصول وعوامل قيامها وتطورها دراسة في أصول وعوامل قيامها و تطورها، الكويت: المجلس الوطني للثـقـافـة والـفـنـون والآداب، صفحة 45،46،47. بتصرّف.