تاريخ العصر الوسيط في أوروبا

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٣٨ ، ٢٧ أغسطس ٢٠١٩
تاريخ العصر الوسيط في أوروبا

العصر الوسيط

يُطلق على هذه الفترة أيضًا العصور الوسطى أو القرون الوسطى، وقبل التَّعمّق في تاريخ العصر الوسيط في أوروبا يجبُ التعرّف على هذه الفترة من التاريخ، فالعصر الوسيط فترة امتدّت من القرن الخامس الميلادي حتّى القرن الخامس عشر ميلادي، وقد بدأت العصور الوسطى والتي جاءت بعد العصر الكلاسيكي بانهيار الإمبراطوريّة الرومانيّة الغربية واستمرّت حتى عصر النهضة، وللعصر الوسيط ثلاثُ فترات هي: العصر الوسيط المُبكِّر والعصر الوسيط المُتوسِّط والعصر الوسيط المُتأخِّر، وفي مقال تاريخ العصر الوسيط في أوروبا سيتم التعرف على أوضاع أوروبا خلال هذه الفترة من الزمن.[١]

الشماليون

في أوائل العصور الوسطى من تاريخ العصر الوسيط في أوروبا، كان يطلق اسم الشماليين على مجموعة الشعوب التي سكنت سبة الجزيرة الإسكندنافية وحوض بحر البلطيق، وهم والجرمان من الجنس النوردي سواء، غير أنّ الشماليين على خلاف الجرمان لم يتأثّروا بالمؤثرات اللاتينية، بل ظلوا بعيدين عنها بحكم وضعهم الجغرافي بأقصى الشمال الغربي من أوروبا ولهذا السبب أطلق عليهم الشماليون.[٢]

وكان الشماليّون وقت ذاك على الوثنية وليس في تفكيرهم متّسع لشيء من وازع الضمير أو الذمة، أو الإحساس بالخطيئة أو الفضيلة؛ لأنّ آلهتهم مثل إله الرعد Thor وإله الحروب والملاحم Odin، لم تقم بالدُعاء إلى شيءٍ من ذلك، بل لم يكن من صفات هذه الآلهة ما يردع القاتل أو الزاني أو السارق أو يعاقبه على ذنبه.[٢]

وفي أواخر القرن الثامن الميلادي من تاريخ العصر الوسيط في أوروبا، أُوحِي إلى تلك الشعوب المقتدرة على الشدائد أن بلادًا واسعةً تفيض بالمغانم السهلة، فاندفعوا إليها أرسالًا جمعت من رجال البحر وبناة السفن، والعديد من أصحاب المهن مثل الحطابين والصيادين، غير أنهم ما لبثوا أن اصطدموا بالساكسون والفرنجة في طريقهم صوب الجنوب فاتجهوا صوب الشرق والغرب، فانتشر السويديون أهل التجارة في سهول روسيا الحالية، على حين أخذ الدانيون والنرويجيون أهل البحار والقرصنة ينهالون إلى أوروبا الغربية وينهبون كنائسها من لامع الذهب والفضة.[٢]

وفي هذه المرحلة من تاريخ الشماليين تبدو أعمال السويديين بالذات جديرة بالانتباه، إذ بَنَوا محطة تجارية على بحيرة لادوغا، وقد غدت محطاتهم مراكز لإرشاد المسافريين، ونماذج للنظام وسط شعوب الصقالبة التى عمها الاختلال والفوضى، ويعد الزعيم السويدي رورك صاحب الفضل في وضع حجر الأساس الذي بنيت عليه روسيا في نوفغورود وكييف، وقد انتقل لفظ روتسى Ruotsi الذي أطلقه الفنلنديون على جيرانهم السويديين منذ أيامهم الأولى بحوض بحر البلطيق من التابع إلى المتبوع، وصار علمًا على الصقالبة الذين تتكون منهم روسيا الحالية، ومن هذا يتضح أن روسيا تدين بأول تجربة في الحياة السياسية إلى الشماليين، أو بالأخص السويديين الذين تعاقبوا على الحكم في كييف.[٢]

الحركة الفكرية والحركة الديرية

أثرت الحروب الصليبية في تاريخ العصر الوسيط في أوروبا على أحوال التجارة والسياسة ما أثر على غرب أوروبا، فقد بدت الحياة الفكرية على أبواب تأثير من نوع أكثر عمقًا في نتائجه مما حدث في ميادين التجارة والسياسة، إذ شهد القرن الثاني عشر الميلادي نهضة هي "برغم ضيق نطاقها" أشبه ما تكون في حيويتها وإبداعها بحركة النهضة الأوروبية الكبرى، التي تفصل العصور الحديثة عن العصور الوسطى؛ ذلك أن التعطش للمعرفة أخذ مرةً اخرى في الظهور بفرب أوروبا منذ القرن الحادي عشر الميلادي، أي منذ بدأت الأحوال السياسية بالاستقرار، وغدا التنقل بين البلاد آمنًا، لذا دبَّت الحياة من جديد لدراسة القانون والطب والمنطق واللاهوت، وعمرت السبل والمسالك المؤدية إلى البلاد التي اشتهرت بوجود مدرستسن ممتازتين في هذه العلوم.[٢]

وبعكس جامعة بولونيا أشهر الكليات الأوروبيّة لدراسة القانون سادت في جامعة باريس في تاريخ العصر الوسيط في أوروبا دراسة اللاهوت لا القانون، حيث كانت الإدارة في يد نقابة من المعلمين لا الطلاب، وإذ نشأت تلك النقابة من المدرسة الكاتدرائية بباريس وعاشت في ظل الكاتدرائية نفسها "كاتدرائية نوتردام" فقد بقيت موضع الريبة مدة طويلة، والتي عَدَّتها الهيئات الكنسية المحلية هيئات غير مشروعة تريد القضاء على سلطات الأسقف ورجال الأسقفية، وأيد تلك الريبة ما امتلأت به باريس من فورة فكرية جامحة، بسبب الحركة الجدلية الحرة التي أثار نارها بطرس أبيلارد الذي مكَّن باريس من أن تصبح مركزًا للفكر الحر والبحث العلمي.[٢]

عندما صارت مؤلفات أرسطو في متناول الدراسات الجامعية في باريس، بذلت طائفة من رجال الدين جهدًا جهيدًا خالصًا لتطويع ما اشتملت عليه تلك المؤلفات الضخمة من واسع المعرفة القديمة والفكر القديم إلى أداة صارمة ماضية لتأييد المذهب الكاثوليكي وترسيخه في القلوب، ومن جامعة باريس تفرعت جامعة أكسفورد سنة 1168م، ومن أكسفورد نبتت كامبردج سنة 1309م، وكان الطالب الإنجليزي في القرن الثاني عشر الميلادي أشبه بالجندي الصليبي، كما وكانت اللاتينية هي اللغة المشتركة بين المتعلمين بأنحاء غرب أوروبا، وقد قامت الجامعة في أوكسفورد على تحت إشراف وكيل الأسقف مثلما حصل في باريس، يضاف إلى ذلك أن هاتين الجامعتين اشتهرتا دون غيرهما من الجامعات الأوربية بعلو الكعب في الفلسفة المدرسية.[٢]

كانت الأديرة منذ نشأتها في تاريخ العصر الوسيط في أوروبا موضع النقد والإصلاح احيانًا، وتعاقبت الهيئات الديرية في غرب أوروبا بعضها تلو بعض، وقد بدأت هذه الاديرة والتي كانت جميعها في فرنسا ومنها شاترو بفورة من الغيرة الدينية والحماسة، وانتهى في غمرة من النقص والانحلال، غير أن ما يدعو إلى الالتفات أن أحدًا في تلك العصور التي اعتبرت العزوبية أفضل الفضائل الإنسانية، لم يعترض بكلمة واحدة لِما يحدث للمجتمع من خسارة في الرجال والنساء بسبب العزوبية، أو أن يقول بأنها مدعاة للرجس والرذيلة في الإنسان بعض الأحيان.[٢]

حرب المائة عام والوباء الأسود

كان الإنجليز هم البادئين بالعدوان، حين طلب ملك من ملوك إنجلترا عرش فرنسا لنفسه، فبينما تحملت فرنسا كل رزايا الغزو ومصائبه تمتعت إنجلترا بجميع ما يجلب السلب والنهب من بلدٍ غني خصيب، وقد غدا الجيش الإنجليزي في القرن الرابع عشر الميلادي ممثلًا للأمة لا لطبقة من الطبقات، كما كان الحال في الجيش الفرنسي الإقطاعي.[٣]

ولأول مرة في تاريخ الحروب الأوربية في العصور الوسطى ظهرت كتائب المشاة البريطانية التي تكونت من أوساط طبقات المجتمع، وأفسدت حساب أمهر القادة في ميادين القتال، إذ استخدمت جنود هذه الكتائب سلاحًا فاق نظائره من الأسلحة في الرمي والمتانة، وذلك السلاح هو القوس الكبير Longbow الذين انتصر به أولئك الجنود في معركتي كريسي سنة 1346م وأجينكور سنة 1415م، وهذه خلاصة عاجلة لحرب المائة عام في تاريخ العصر الوسيط في أوروبا.[٣]

كما شهدت السنة التي سقطت فيها كاليه في يد الإنجليز، كارثة أوروبية عامة حصدت من الناس أكثر مما أفنته مائة سنة من الحروب في تاريخ العصر الوسيط في أوروبا، إذ امتد الموت الأسود "وهو طاعون دُملي" من أحد مواطنه بالشرق الأقصى عبر التجارة الدولية في تلك العصور في أوروبا، فانتقل من آسيا الصغرى إلى إيطاليا وإسبانيا، ثم زحف الوباء الأسود إلى فرنسا عن طريق مرسيليا، ودخل إنجلترا عن طريق مقاطعة دورستشر، ثم تحول شرقًا فاجتاز ألمانيا وشبه الجزيرة الإسكندنافية، ومنها اشتعل في بولندا والنمسا وروسيا.[٣]

ومما شهد المعاصرون أن ذلك الوباء عكف على اختيار الشباب والأقوياء دون غيرهم من الناس، وأنه أشفق على ضحاياه فأخذهم أخذًا سريعًا بعض الأحيان، ورغم محاولة بعض أرباب الطب إلا أن الطاعون زحف زحفه الذريع المريع وبيده منجل الفناء.[٣]

ومن أسوأ النتائج الاجتماعية والتي نجمت عن هذه الكارثة البشرية الطامَّة قيام العديد من المدن الأوروبية بسلسلة من الفظائع ضد سكانها من اليهود، عند قيامهم الدُّهماء بإحراق الآلاف من اليهود اعتقادًا منهم بأن الطاعون مكيدة خبيثة من الجنس السامي للقضاء على المسيحية الكاثوليكية، كما أن لكارثة الطاعون في تاريخ العصر الوسيط في أوروبا نتائج أخرى أقل بشاعةً من حوادث إحراق اليهود، ففي فلورنسا أسلم البعض أنفسهم لأنواع الملذات منها ضرب أنفسهم بسياط من حديد تكفيرًا عن ذنوب المذنبين من الناس، وقد انقشع هذا الوباء إلى غير رجعة سنة 1350م، ما عدا فينات قصيرة على مقياس أصغر وعاد الناس إلى الحياة الطبيعية.[٣]

العلوم والثقافة

كانت القرون الأولى من تاريخ العصر الوسيط في أوروبا وخاصةً من القرن الخامس الميلادي وحتى أواخر القرن العاشر الميلادي، أشبه إلى أن تكون مظلمة، حيث ضُربت الحضارة في غرب أوروبا بالانحطاط، ولم يبقَ من معرفة الرومان القديمة إلا قلة قليلة من مدارس الأديرة والكاتدرائيات، أما المعرفة التي نقلت عن اليونانية فهي شبه مندثرة، وكانت الفئة المتعلمة التي تلقت العلوم قليلة، كما أن الكثير من المهارات الفنية والتقنية القديمة قد ضاعت، وأصبح الكتاب.[٤]

ونتيجة الجهل المتفشّي فإنّهم يتقبّلون الروايات الشعبية كأنها حقيقة، بعكس المسلمين الذين كانت الحياة عندهم أكثر إشراقًا والذين كانوا يعيشون ثراءً حضاريًا وثقافيًا كالطب والرياضيات، جيث انتقلت هذه العلوم من إسبانيا إلى الغرب في وقت لاحق، وبدأت الحياة الاقتصادية والسياسية في أوروبّا بالانتعاش في بداية القرن الحادي عشر الميلادي، والذي بدوره أدّى إلى تطوّر هائل في الثقافة خلال القرن الثاني عشر للميلاد.[٤]

المراجع[+]

  1. "العصور الوسطى"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 18-08-2019. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت ث ج ح خ د هـ.أ.ل.فِشر (1957)، تاريخ أوروبّا: العصور الوسطى (الطبعة الثالثة)، مصر: دار المعارف بمصر، صفحة 113،114،115،211،212،213،216،217، جزء 1. بتصرّف.
  3. ^ أ ب ت ث ج هـ.أ.ل.فِشر (1957)، تاريخ أوروبّا: العصور الوسطى (الطبعة الثانية)، مصر: دار المعارف بمصر، صفحة 314،315،320،321، جزء 2. بتصرّف.
  4. ^ أ ب "العصور الوسطى"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 25-08-2019. بتصرّف.