تأملات في سورة الليل

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:٤٣ ، ١ أغسطس ٢٠١٩
تأملات في سورة الليل

سورة الليل

سورة اللّيل من السّور المكيّة التي نزلت على النّبيّ محمّد –صلّى الله عليه وسلّم- في مكّة المكرّمة، وتعدّ سورة اللّيل من أواسط المفصّل، وموقعها في القرآن الكريم في الجزء الثّلاثين السّورة الثّانية والتّسعون، نزلت بعد سورة الأعلى، وآياتها إحدى وعشرين آية، لم يذكر فيها اسم الجلالة، بدأها الله سبحانه بالقسم: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى}،[١] كغيرها من السّور التي بدأها بالقسم، وبعد التّعريف بسورة اللّيل سيتمّ الوقوف في الفقرة التّالية عند لمسات بيانيّة وتأملات في سورة الليل.[٢]

تأملات في سورة الليل

يدور محور سورة اللّيل حول سعي الإنسان وكفاحه وعمله في هذه الحياة، ومن ثمّ ينتهي إمّا إلى النّعيم أو إلى الجحيم، وقد وقف الدكتور فاضل السّامرّائي عند لمسات بيانيّة وتأملات في سورة الليل من الرّوعة بمكان، ومنها:[٣]

  • في قوله تعالى: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}:[٤] ما علاقة قسم الله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى}،[٥] بالجواب، في قوله تعالى: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}[٤]إنّ الله سبحانه افتتح السّورة الكريمة بالقسم بالأشياء المتباينة والمتضادّة، "باللّيل والنّهار، يغشى ويتجلّى، الذّكر والأنثى"، فكان جواب القسم: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}،[٤] أي: متباين، متضادّ، وذلك إشارة إلى سعي العباد، بأنّه متباين بين الخير والشّرّ، فمنهم من يسعى إلى النّعيم، ومنهم من يسعى إلى الجحيم، فكما أنّ الأشياء متضادّة ومتباينة، فكذلك أعمال العباد متضادّة ومتباينة، ولذلك فقد أقسم الباري سبحانه بهذه الأشياء على اختلاف السّعي، {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}،[٤] وعلى اختلاف الأوقات "الليل والنهار"، و بحسب اختلاف السّاعين "الذّكر والأنثى"، وبحسب اختلاف الحالة "يغشى وتجلى" واختلاف مصير السّاعين {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}.[٦]
  • قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى}:[٧] لقد جاء التّرتيب الإلهي لهذه الآيات الثلاث على هذا السّياق بأنّ الله تعالى بدأ باللّيل قبل النّهار، وذلك لأنّ اللّيل وُجد قبل النّهار لتأخّر خلق الأجرام، وقبل ذلك كانت الدّنيا شديدة الظلام، وأيضًا اللّيل والنّهار معاً وُجدا قبل خلق الذّكر والأنثى، وخلقُ الذّكر كان قبل خلق الأنثى، لقوله تعالى: {خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا}،[٨] فجاء التّرتيب الإلهيّ للآيات السّابقة بنفس ترتيب الخلق: اللّيل أولاً ثمّ النّهار ثمّ الذّكر ثمّ الأنثى وهكذا.

دلالات تربوية من سورة الليل

بعد الوقوف عند تأملات في سورة الليل، سيتمّ الوقوف أيضًا عند الدّلالات التربويّة في هذه السّورة، إنّ الله تعالى خلق الخلق، وجعلهم بين الجبر والاختيار، فمجبر على الظّروف الزّمانيّة التي يعيش فيها كاللّيل والنّهار، والحياة والموت، ومخيّر في سعيه وعباداته، وسورة اللّيل كما سبق فإنّها تتحدّث عن السّعي المستمر للإنسان مع تبدّل اللّيل والنّهار، وعن مسألة الاختيار والتّكليف، فيذهب اللّيل ليأتي النّهار، ويموت إنسان ويولد آخر، والحياة مستمرّة والسّعي مستمر لا يتوقف، وهذا السّعي قد يختلف بين إنسان وآخر أو بين فئة وأخرى، وفي قوله تعالى: {فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى}،[٩]ويستخلص من خلال الآيات السّابقة:[١٠]

التّمييز بين سعيين للعبد

ميّز بين سعيين للعبد، سعيٌ للعطاء وتقوى الله تعالى، وسعيٌ للبخل والاستغناء بنفسه عن الله تعالى، فمن سعى للعطاء والتّقوى فقد آمن قلبه وصدقت جوارحه، ومن سعى للبخل والاستغناء فقد كفر قلبه وكذبت جوارحه، وإنّ عطف التّقوى على العطاء، وعطف البخل على الاستغناء والذي يعني الكفر، يعطي دلالة قاطعة على أن هذا الدّين هو دين اجتماعيّ، ويصبّ في المصلحة الاجتماعيّة من الدّرجة الأولى، فهو ليس مجرّد شعارات ولا شعائر فارغة من الخير المادّيّ الموصول للنّاس بالبذل والتّضحية والعطاء.

تحقق التقوى بتحقق العطاء

إنّ التّقوى رهينة به، ولا تتحقّق التّقوى إلّا بتحقيق هذا العطاء، وذلك البذل والعمل والسّعي لتحقيق مصالح النّاس وقضاء حوائجهم، ولذلك يُكذّب القرآنُ الكريم كلّ من يتظاهر بالتّقوى والنّسك، دون أن يبذل ما بوسعه من الخير لقضاء حوائج النّاس والوقوف عند مصالحهم، يقول الله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}،[١١]تلك هي العبادة الصّحيحة، وذلك هو السّعي المشكور، لقوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ}،[١٢]وبذلك يتمّ تصحيح المفهوم عن هذا الدّين الحنيف، فعباداته وشعائره غير منفصلة عن معاملاته وأخلاقه، ولا يمكن أن تجتزأ أخلاقه ومعاملاته من شرائعه وعباداته.

المراجع[+]

  1. سورة الليل، آية: 1-2.
  2. "سورة الليل"، www.library.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 25-07-2019. بتصرّف.
  3. فاضل صالح السامرائي، كتاب لمسات بيانية في نصوص من التنزيل، صفحة 364-365. بتصرّف.
  4. ^ أ ب ت ث سورة الليل، آية: 4.
  5. سورة الليل، آية: 1-2.
  6. سورة الليل، آية: 5-10.
  7. سورة الليل، آية: 1-3.
  8. سورة النساء، آية: 1.
  9. سورة الليل، آية: 5-10.
  10. "دلالات تربوية على سورة الليل"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 25-07-2019. بتصرّف.
  11. سورة البقرة، آية: 177.
  12. سورة الأنبياء، آية: 94.