تأملات في سورة الفجر

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:٣٥ ، ٢٩ أغسطس ٢٠١٩
تأملات في سورة الفجر

سورة الفجر

سورة الفجر من سور القرآن الكريم المكيّة التي نزلت على النّبيّ محمّد –صّلى الله عليه وسلّم- في مكّة المكرّمة قبل الهجرة إلى المدينة بعد سورة اللّيل، وهي من سور المفصّل، وآياتها ثلاثون آية، ترتيبها في المصحف الشّريف التّاسعة والثّمانون وفي الجزء الثّلاثين، بدأت السّورة الكريمة بأسلوب القسم، قوله تعالى: {وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ* وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ* وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}،[١] ويدور محور السّورة حول ثلاثة أمور رئيسة: كذكر قصص بعض الأقوام المكذّبين، وبيان سنّة الله تعالى في ابتلائه لعباده في هذه الحياة الدّنيا، في الآخرة وأحوالها وأهوالها، وخلال هذا المقال سيتم توضيح لمسات بيانيّة وتأملات في سورة الفجر.[٢]

تأملات في سورة الفجر

بعد ما سبق، سيتركّز الحديث في هذا المقال حول لمسات بيانيّة وتأملات في سورة الفجر وفي الآيتين لآتيتين منها، قوله تعالى: {وَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ* وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}، وعلاقتهما بسورة البلد، ففي سورة الفجر ذكر الله تعالى الإنسان الغنيّ والفقير، الذي أغناه الله تعالى، وظنّ بأنّه أحبّه الله فأكرمه، والذي قدر عليه رزقه فظنّ بأنّ الله تعالى كرهه فانتقم منه وأفقره، وفي سورة البلد ذكر الله تعالى الذي أهلك المال والفقير، وكذلك وصف الله تعالى الإنسان في سورة الفجر، بقوله: {كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}،[٣] وفي سورة البلد حضّ الله تعالى على الرّحمة بهذين الضّعيفين "اليتيم والفقير"، بقوله تعالى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ}،[٤] وكذلك هناك أمر آخر، وهو التّرابط بين السّورتين، بدليل قوله تعالى في سورة الفجر: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً}،[٥] وقال في سورة البلد: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ}،[٦] فعليك أن تُطعم كما تأكل، وتكسو كما تلبس، وللمفارقة بين البلاء والابتلاء، فالبلاء هو ما ينزل على الشّخص قدرًا، وتعتبر كلمة ابتلى أشدّ من "بلا" وتحمل معنى الاختبار أكثر، ولا يكون البلاء بالضرورة سيّئًا، بل قد يكون خيّرًا لصاحبه، لقوله تعالى: {ونَبلوكُم بالشّرّ والخَيرِ فِتنةً}،[٧] وأمّا الابتلاء فهو اختبار كما في قوله تعالى في سورة الفجر: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ}، فهذه بعض اللّمسات البيانية والتأملات في سورة الفجر ممّا وقف عنده.[٨][٩]

الليالي العشر في سورة الفجر

أقسم الله تعالى في سورة الفجر باللّيالي العشر لمكانتها العظيمة عنده، وهذا القسم لا يحقّ للعباد أن يقسموا به أو بغيره من خلق الله، لما رواه ابن عمر أنَّ رَسولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- أدْرَكَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، وهو يَسِيرُ في رَكْبٍ، يَحْلِفُ بأَبِيهِ، فقالَ: "ألا إنَّ اللَّهَ يَنْهاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بآبائِكُمْ، مَن كانَ حالِفًا فَلْيَحْلِفْ باللَّهِ أوْ لِيَصْمُتْ"،[١٠] ولحديث ابن عمر الآخر حيث سمع رجلًا يحلفُ بالكعبةِ فقال ابنُ عُمرَ: ويحَكَ لا تفعَلْ فإنِّي سمِعْتُ رسولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- يقولُ: "مَن حلَف بغيرِ اللهِ فقد أشرَك"،[١١] وهذه اللّيالي هي كناية عن الأيام، وهذا معروف في كلام العرب، فكانوا يذكرون اللّيالي ويقصدون الأيّام، ويذكرون الأيّام ويقصدون اللّيالي، وقد اختلف العلماء على مذاهب في تحديد اللّيالي العشر، فمنهم من قال بأنّها ليالي ذي الحجّة، لوقوعها في وقت مناسك الحج، حيث فيها الإحرام والطّواف والوقوف بعرفة، وقد قال بذلك الإمام ابن كثير في تفسيره مستدلًّا بقول ابن عباس وابن الزبير ومجاهد، وغير واحد من السّلف والخلف، ومنهم من قال هي اللّيالي العشر الأواخر من رمضان لوجود ليلة القدر فيها التي قال الله عنها: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}،[١٢] وقال:‏ {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ}‏‏،[١٣]‏وقد اعتمد هذا القول ابن عثيمين، وهناك من قال بأنّها الليالي العشر الأول من شهر المحرّم.[١٤]

المراجع[+]

  1. سورة الفجر، آية: 1-4.
  2. "سورة الفجر"، www.al-eman.net، اطّلع عليه بتاريخ 27-08-2019. بتصرّف.
  3. سورة الفجر، آية: 17-18.
  4. سورة البلد، آية: 14-15.
  5. سورة الفج، آية: 19.
  6. سورة البلد، آية: 14.
  7. سورة الأنبياء، آية: 35.
  8. سورة الفجر، آية: 15.
  9. فاضل صالح السامرائي، كتاب لمسات بيانية في نصوص من التنزيل - محاضرات، صفحة 386-387. بتصرّف.
  10. رواه البخاري، في صحيح البخاري ، عن عبدالله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 6646، صحيح.
  11. رواه شعيب الأرناؤوط ، في تخريج صحيح ابن حبان، عن عبدالله بن عمر ، الصفحة أو الرقم: 4358، إسناده صحيح على شرط مسلم.
  12. سورة القدر، آية: 3.
  13. سورة الدخان، آية: 3-4.
  14. "الحكمة من ذكر ليال عشر بدل من أيام عشر"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 27-08-2019. بتصرّف.