المنهج النفسي في النقد العربي الحديث

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:٥٤ ، ٢٧ مايو ٢٠١٩
المنهج النفسي في النقد العربي الحديث

تعريف المنهج

يُعرف المنهجُ بأنّه مجموعة من القواعد والعمليّات الإجرائيّة المطبّقة، للبحثِ عن نظرية معينة في مجال علمي ما، يمكن من خلاله دراسة مفاهيم ومصطلحات معينة ضمن مجال محدّد، أو دراسة المقاربات المنهجيّة فيه، ولأن النقد الأدبي علم عُني بدراسة الأعمال الأدبية الإبداعية، كان لا بدّ له من استقاء منهجيّاته وآليّاته في التحليل من عدّة علوم مختلفة، ومن هنا ظهرت المناهج النقدية في الأدب، فكان منها المنهج التاريخيّ الذي وظّفَ النظريات التاريخية من علم التاريخ، والمنهج الاجتماعيّ الذي وظف نظريات علم الاجتماع وإجراءاته، والمنهج النفسي في النقد العربي الحديث موضوع المقال، الذي تناولَ نظريّات علم النفس، ومفاهيمه وإجراءاته وطبقها على النص الأدبي وغيرها كثير. [١]

المنهج النفسي في النقد العربي الحديث

عُرِفَ المنهج النفسي في النقد العربي الحديث بمسمّيات عدّة، كان منها النقد السيكولوجيّ، ولكنّ المنهج النفسي في العربي الحديث لم يُعرف بملامح وحدود واضحة للمنهج فعليًّا كما عُرف في النقد الغربي، إذا ورد في أماكن متفرقة من كتب النقاد العرب، إلا أنّه حيث ورد، حمّلّ التعريف ذاته الذي حمله في النقد الغربيّ، واستمد النظريات الغربية ذاتها التي استمدّها النقد الغربيّ في تحليلِ الأدب، وهو بذلك لا يزالُ نقدًا اتباعيًّا للنقد الغربيّ.

ويُعرف المنهج النفسي في النقد العربي الحديث بأنّه المنهج الذي يعتمد نظرية التحليل النفسي التي أسّسها الطبيب النمساوي فرويد في تطبيقاتها النقدية، والتي حاول من خلالها تفسير السلوك البشري، وإرجاعه منطقة اللاوعي واللاشعور لدى الإنسان [٢]، كما يُعرّف أنّه المنهج الذي يحاول تطبيق نظريّات علم النفس السريريّ على النص الأدبيّ، من خلال تحليل نفسية الأديب عندما كتب نصه الأدبي، للتعرّف إلى خصائصه الشخصيّة، والعقد النفسيّة التي يعاني منها؛ بسبب أحداث مرّت به بطفولته أو فترات لاحقة من حياته، وانعكست في نصّه الأدبي، والشخصيّات الأدبية في النص التي تتشابه وشخصيته، باعتبار النص وثيقةً نفسيّةً تكشف عن الحالات النفسية للأديب. [٣]

لقد عُدّ المنهج النفسي في النقد العربيّ الحديث وسيلةً للكشف عن قدرة النص الأدبيّ في التعبير عن مضمون اللاوعي لدى الأديب والمستويات النفسيّة العميقة لديه، من خلال دراسة الأدب على مستويين، مستوى النص الأدبي وما كتب فيه، ومستوى الشخصية المُضمّنة في النص الأدبي، آخِذًا بعين الاعتبار العديد من العناصر الأساسيّة التي يتكوّن منها أيّ نصّ أدبي وهي: المجاز والاستعارة والكناية، وكيف يمكن للمشاعر النفسية وقواها بين المعتقد والتمسّك بالهوية الشخصية، والحبّ والكراهية، والرغبة، والمعرفة لدى الأديب، التأثير في البنيات الاجتماعيّة والثقافيّة في المجتمع. [٤]

في الثقافة العربيّة ظهر المنهج النفسي في النقد العربي الحديث في عدد من الدراسات البحثية التطبيقية، فقد كانت نشأته في الوطن العربي على يد أمين الخولي عام 1945 في بحث منشور له بعنوان علم النفس الأدبي، أتبعه بكتاب البلاغة وعلم النفس، تلاه بعد ذلك محمد خلف عام 1947 في كتابه الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده، وكان من أبرز مظاهر ظهور المنهج النفسي في النقد العربي الحديث، نشأة مدرسة علم نفس الإبداع في منتصف القرن التاسع عشر، على يد مصطفى سويف، وكان لها إنجازات فريدة ضمن المنهج النفسي، وكان كتاب سويف "الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة" نقطة ارتكاز جوهريّة للعديد من الدراسات النقدية اللاحقة عن الأجناس الأدبية، فكتبت سامية الملّة كتاب الأسس النفسية للإبداع الفني في المسرح، وكتب شاكر عبد الحميد الأسس النفسية للإبداع الفني في القصة القصيرة. [٥].

تطبيقات المنهج النفسي في النقد العربي الحديث

لقد أفاد العرب كثيرا من المنهج النفسيّ في الغرب، ومن تطبيقاتِه النقديّة، فكان لهم أن يُشاركوا بإسهاماتِهم النقدية فيه، وتطبيقها على الأدباء العرب، فكان من أبرز تطبيقات المنهج النفسي في النقد العربي الحديث، ما كتبه طه حسين عن أبي العلاء المعري في كتابه "مع أبي العلاء في سجنه"، فيفسر طه حسين الحالة النفسية لأبي العلاء المعري، ويرى أنّه أوقَعَ على نفسه ظلمًا كبيرًا، وتحميلها ما لا طاقة لها به، عندما أسَرَ نفسه في ثلاثة سجون، كان أحدُهما إقناع نفسه بأنّه سجين دون سجّان نتيجة إصابته بالعمى، وبسببِ هذا السجن سجن نفسه في سِجْنَيْن آخرَيْن، الثاني عندما أثَّرّ عَماه في حالته النفسيّة فسجن نفسه في بيتِه لا يُبارحُه، والثالث سجن المعري العقلي الفلسفي الذي تخيّلّ أنّ عقله مسجون فيه كما يتخيّل الشعراء، مما جلب الألم والقنوط والشقاء، ودفعه إلى الشكّ الدائم، الذي يوقعه في مخاضات الحيرة والشرّ واللذة الماديّة، فهو يَسعى دائما إلى الوصولِ إلى الكمال في نفسِه فلا يصل، وأن يبلغَ إلى اللذة الماديّة فلا يصل، مما يلقيه في غياهب الألم والحسرة. [٦].

الشاعر أبو نواس شَهِدَ الكثير من الدراسات النقديّة التطبيقيّة للمنهج النفسي في النقد العربيّ الحديث، فها هو محمد النويهي في كتابه "نفسية أبي نواس"، يتتبع الخصائص النفسية لأبي نواس في أشعارِه، ومظاهر سلوكه الظاهرة فيها، فتوصل إلى أنّ أبي نواس يعاني من عقدة الاضطرابات الجسمية المتأتِّية من إحساسه المرهف وسرعة توتّره، وكل ذلك يعود من عقدة ناشئة لديه من زواج والدته برجل آخر بعد وفاة أبيه، وقد انعكست هذه العقدة على سلوكاته، فتعلّق بشُرب الخمر، وعانَى نوعًا من الشذوذ وحبّ الغلمان، ويتناول العقاد كذلك أبي نواس ويدرسه دراسة نفسية تحت المنهج النفسي في النقد العربي الحديث، ويتتبع فيها سماته النفسيّة من خلال شعره، من خلال التسلّح بأساليب التحليل النفسيّ في تحليله لشخصيّته، فيتوصل في دراستِه إلى أنّ أبا نواس يعاني من عقدة مرضية هي النرجسية، ويصاحبها مجون وميل ظاهر للإباحية والشذوذ، ويؤكد العقاد على كل ما وصل إليه بنماذج من شعر أبي نواس تعرض صورًا من إدمانه وشذوذه وعقيدته الدينية.

ويقدّم بشار بن برد دراسة تطبيقيّة للمنهج النفسي في النقد العربي الحديث عن الشاعر بشار بن برد، التي يصل فيها إلى أنّ الشاعر يعاني من عقدة النقص، وهي عقدة ناتجة عن عجزِه الخلقيّ كونَه كفيفًا، وكونه من الشعراء المَوالي، فانعكست عقدته هذه في شعره، فأكثر الهجاء فيه ليعوّض بقوته الأدبية نقصه، ويشعر الآخرين ببطشه وسلطانه، والمتتبع لتطبيقات المنهج النفسي في النقد العربي الحديث، سيجد الكثير من هذه التطبيقات على الأدباء والشعراء، ولكنْ ما يُلمَح في هذا المنهج أنّ العرب مارسوا التطبيق في الأغلب، لكنّهم لم يَسْعوا إلى إيجاد نظرية عربية خاصّة في الأدب العربي، وبذلك يكون المنهج النفسيّ في النقد العربي الحديث، منهج اتّباعي للمنهج الغربي لا غير. [٧].

مزالق المنهج النفسي في النقد العربي الحديث

رغم أنّ المنهج النفسي في النقد العربي الحديث حاول كثيرًا الكشف عن البنيات الشعورية لدى الأديب من خلال الحفر في البنيات اللغوية، إلا أنه وقع في مزالق كثيرة نتجت عن محاولة استنطاق النصوص الأدبية استنطاقا تعسفيا، وهذه المزالق هي: [٨]:

  • اهتمّ المنهج النفسي في النقد العربي الحديث بالأديب وتجاهل النص الأدبي، مُغفِلًا إياه.
  • أخضع المنهج النفسي في النقد العربي الحديث النص الأدبي للتحليل الإكلينيكي، ممّا جعل هذا التحليل أقرب إلى التشخيص السريري منه إلى التحليل الأدبي.
  • أغفل المنهج النفسي في النقد الأدبي الحديث الشعور عند المبدع إغفالًا تامًّا، عندما أرجع إبداع الأديب إلى لا وعيه الناتج عن الكبت المرضي، ونزوات الماضي، وعقده النفسية.
  • جعل النص الأدبي دائمًا تعبيرًا عن الذات، من خلال ليّ عنق النص، وإخضاعه لهذه الفكرة، مما جعله غير قادر على تحديد العلاقة بين الأديب والعمل والأدبي، والمساواة بين العمل الأدبي الجيد والعمل الأدبي الرّديء؛ كون النص الأدبي وثيقة نفسية على صاحبه لا غير، ولا مجال فيه للكشف عن جوانب الإبداع المتفردة لدى الأديب.

المراجع[+]

  1. "علم المنهج"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 22-5-2019. بتصرّف.
  2. "المنهج النفسي عند شارل مورون"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 21-5-2019. بتصرّف.
  3. "الإبداع الأدبي والتحليل النفسي (بين منهج الدراسة النفسية والتحليل السريري)"، www.abjjad.com، اطّلع عليه بتاريخ 22-5-2019. بتصرّف.
  4. "التحليل النفسي والادب والثقافة"، www.ahewar.org، اطّلع عليه بتاريخ 22-5-2019. بتصرّف.
  5. "مصطفى سويف"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 22-5-2019. بتصرّف.
  6. "مع أبى العلاء فى سجنه"، www.abjjad.com، اطّلع عليه بتاريخ 22-5-2019. بتصرّف.
  7. "أبو نواس الحسن بن هانئ"، www.abjjad.com، اطّلع عليه بتاريخ 22-5-2019. بتصرّف.
  8. "المناهج النقدية الحديثة الواقع والمأمول"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 22-5-2019. بتصرّف.