المذهب الواقعي في الأدب

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٢٦ ، ٢٧ مايو ٢٠١٩
المذهب الواقعي في الأدب

المذهب الواقعي في الأدب

شَهِد الأدبُ حتّى النصفِ الثاني من القرن التاسع عشر، استَغْراقا عميقًا في الأوهام والخيالات، في ظلّ التيارات الرومانسيّة، التي أحدثت فجوة عميقة بين الأدب والواقع، ومن هنا ظهرَ أدباء نادوا بضرورة عودة الأدب إلى الواقع لتصويرِه تصويرًا دقيقًا بعيدًا عن مغالاة الرومانسية في الهروب من الواقع، فكان هذا العامل الأول في نشأة المذهب الواقعي في الأدب، أمّا العامل الثاني فتمثّلَ في ما حققته العلوم من تقدّم واكتشافات علميّة بعد تطبيق المنهج التجريبي، ممّا أسهم في انتشار النظرة الواقعيّة عند الأدباء، فنظروا إلى الوجود نظرة موضوعيّة بعيدًا عن التزييف والذاتيّة، وكان الروائيّ الفرنسي شنفلوري أول من استخدم مصطلح الواقعية، مفسّرًا إيّاها بمطابقتها للواقع، وتعبيرها عن الأشياء كما يبدو في الملاحظة والتجربة. [١]

خصائص المذهب الواقعي في الأدب

حدّد المذهب الواقعي في الأدب مجموعة من الخصائص التي يجبُ أن يراعيَها الأديب، أو يقوم عليها أيّ عمل أدبي، حتى يصنف تحت المذهب الواقعي في الأدب، حتى أصبحت له خصائص مائزة له بين المذاهب الأخرى، وهذه الخصائص كما يأتي: [٢]

  • الأدب الواقعي أدبٌ موضوعيّ، يقوم على تصوير الواقع كما هو دونَ تدخّل ذاتية الأديب، أو خيالاته أو عواطفه وأحلامه.
  • اعتمد المذهب الواقعي في الأدب عى تصوير الأشياء في الواقع كما تظهر في الملاحظة أو التجربة، بعيدًا عن التزييف، واقحام الكاتب نفسه في الأدب.
  • شخصيّات الأدب الواقعي وموضوعاته في المذهب الواقعي في الأدب، يجب أن تأخذ من الطبقتين الدّنيا والوسطى، ولا مكان للطبقة الأرستقراطية بينها، وعليه فإنّ ما يصوره الأدب الواقعي هي قضايا شعبيّة، ويقدّم نماذج إنسانيّة بسيطة لم يألفها الأدب من قبل.
  • على الأدب الواقعي في المذهب الواقعي في الأدب أن يصور تأثير المجتمع على الإنسان، ومن هنا لُوحظ على الأدب الواقعي إبان نشأته بروز النظرة السوداوية فيه إلى الحياة والإنسان؛ نتيجة تأثره بالظروف الاجتماعيّة السائدة آنذاك، كظهور الرأسمالية، وانتشار النفعيّة والمصالح الفرديّة في المجتمع، وقد عكس بلزاك هذه الظروف في رواياته المسمّاة بالملهاة البشرية، فبدا فيها المال الحقيقة الأولى في المجتمع، حتى سيطرت الكراهية والتنازع على الأموال حتّى على أفراد العائلة الواحدة.

وتظهر هذه المبادئ ذاتها في المذهب الواقعي في الأدب العربي، الذي ظهر بعد الحرب العالميّة الثانية، وانتشار التعليم والثقافة نتيجة لنضج الوعي العربيّ، وظهور الحركات الثوريّة التي باتت تحلّل الواقع تحليلًا موضوعيًّا بعيدًا عن الرؤية الذاتيّة والضبابيّة، وأصبحت في تحليلها تربط بين الفرد ومشكلاته والواقع الاجتماعيّ والسياسيّ، ونسبة ما يعاني منه من مشكلات إلى الاستعمار والأنظمة الرجعية التابعة للاستعمار، وعندما تأمل الأدباء في المذهب الواقعي في الأدب العربيّ في مشكلاتهم، وجدوا أن الفرد جزء من كل، وبالتالي فإنه لا يستطيع حلّ مشاكله، والوصول إلى ما يطمح إلا مع الآخرين، وكان أبرز من رأوا هذه الرؤية وعُدّوا أبرزَ من مثّل المذهب الواقعي في الأدب العربي عبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب وعبد الرحمن الشرقاوي، ونجيب محفوظ ويوسف إدريس.

مدارس المذهب الواقعي في الأدب

عُرفَ المذهب الواقعي في الأدب بأنّه المذهب الذي يرى الواقع وجودًا مستقلًّا، بعيدًا عن الذاتيّة وما تبنيه من أوهام وأحلام عن هذا المجتمع، وبالتالي يقاس الكلام، بمدى مطابقته للواقع، وتصويره إيّاه تصويرًا حيًّا، ومنه عرف المذهب الواقعي في الأدب عددا من المدارس الواقعية، التي اختلفتْ باختلاف أفكار مؤسّسيها، وآليات نظرها للواقع وتحليله، وهذه المدارس كالآتي. [٣]

الواقعية النقدية

وهي الواقعيّة الأولى التي عرفتها فرنسا من المذهب الواقعي في الأدب، في القرن التاسع عشر من النصف الثاني منه، وقد عُرفت هذه الواقعية بنظرتها السوداوية للمجتمع، فقد قامت على تصوير الواقع، ونقده، وتشخيص عيوبه، ثمّ رفضه مباشرة دون أن تقدّم حلولًا لمشاكل الفرد والمجتمع، ودون أن تقدّم بديلًا للواقع الذي رفضته، أمّا أبرز أعلام الواقعية النقدية في المذهب الواقعي في الأدب، فكان أبو الواقعية النقدية بلزاك في الملهاة البشرية التي صوّر فيها الحياة الفرنسية على اختلاف أوضاعها الاجتماعية والسياسية ومعاناة الأشخاص تصويرًا حيًّا موضوعيًّا واقعيا مدينا فيه الطبقة الاجتماعية البرجوازية التي ينتمي إليها، ساخرا منها، ومعظما من تمرد العمال والفلاحين في المجتمع.

ومنهم فلوبير في روايته مدام بوفاري التي صوّر فيها الحياة الريفية في فرنسا، وحياة الطبقة الوسطى في منتصف القرن التاسع عشر، وقد اعتمد في تصويره دقة التعبي والصرامة العلمية، مهتما بالمجتمع ومشكلاته أكثر من الإنسان. وكان محور الواقعية النقدية الفردية البائسة التي تَرى العيوب وتنقلها دون أن تحاول تغييرها، فينتهي أمرها باليأس والخضوع للأمر الواقع، لعدم قدرتِها على تولّي قيادات التغيير في المجتمع، وذهب البعض إلى أن الواقعية النقدية في المذهب الواقعي في الأدب هي الأدب والفن البرجوازي بما يتضمنانه من نقد للواقع الاجتماعي المحيط. [٤]

الواقعية الاشتراكية

ثاني مدرسة من مدارس المذهب الواقعي في الأدب، ظهرت في القرن العشرين في الاتحاد السوفيتي، بتأثير الثورة الاشتراكيّة عامَ 1917، وبعد تأسيسِ الاتحاد العامّ للكتاب سنة 1932م، وكان موضوعُها الأساسيّ الحرب وأثرها على الفرد، وكان مكسيم غوركي أوّلَ من استخدم هذا المصطلح، قائلًا أنّ الحياة تتضمّنُ الخلق والنشاط اللذَيْن يسعيَان إلى تنمية قدرات الفرد، وإعطاء الإنسان قيمة لينتصر على قوى الطبيعة، والمحافظة على صحّته وسعادته ليعيشَ على الأرض، وقد توحد في أسرة واحدة في مسكن طيب. ومحور الواقعية الاشتراكية الفردية الإيجابية المتفائلة التي تنمو وتتطوّر في ظلّ العمل الجماعي، وتحاول أن تؤثّر في المجتمع وفي تطوره، وتقوم على تصوير الأفراد منتجين داخل بيئتهم، وذهب البعض إلى أنّ الواقعية الاشتراكيّة في المذهب الواقعي الاشتراكي هي الأدب والفن الاشتراكي بما يتضمّناه من موافقة الأديب والفنان على أهداف الطبقة العاملة وأهداف العالم الاشتراكي، وبذلك تكون الاشتراكية هي المنهج الأساسيّ الذي تتبناه الواقعية الاشتراكية، لبناء مجتمع جديد تتجاوز فيه سلبياته، وتصور ما فيه من صراع وحركة وتصور تصويرًا حيًّا. [٥]

الواقعية الطبيعية

وهي امتداد للواقعية النقدية، ولكنّها أكثر علمية وموضوعية منها، لتأثرها بالنظريات العلمية وحقائقها، وعلم الطب وعلم النفس، وطبّقت كلّ ما تأثرت به على الأدب والفن، ومؤسّس هذه الواقعية هما الأخوان أدمون وجول جونكور، ولكن إميل زولا هو رائد هذه الواقعية في سلسة رواياته روغون ماكار، الذي رأى أن الإنسان مُسيّر في هذه الحياة ولا يستطيع الاختيار فيها، وأبرز ما يسيره الوراثة والبيئة، وإن أبرز ما يميز الواقعية الطبيعية في المذهب الواقعي في الأدب إيمانها الشديد والثابت بالعلم والتجريب والملاحظة، وما الطبيعة في وجهة نظرها إلا تركيبة علمية مطبقة على الأدب. [٦]

الواقعية النفسية

وهي الواقعيّة التي رفضت الرومانسيّة رفضًا قاطعًا، ولكنّها بحثت في النفس البشرية وبواعثها، وحللتها تحليلًا دقيقًا، ونقل أسرارها نقلًا موضوعيًّا، لم تنتشر كثيرًا كباقي الواقعيّات، ولكن كان لها أثرها في الفن والأدب، ورائد هذه الواقعية هو ستندال، الذي قال فيه هيبوليت تين: "لقد علمنا ستندال كيف نفتح أعيننا وننظر"، وله كتبٌ عديدة منها روايته الأحمر والأسود، وكتاب الحب. [٧]

المراجع[+]

  1. "نشأة الواقعية"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 24-5-2019. بتصرّف.
  2. "خصائص المذهب الواقعي (2)"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 24-5-2019. بتصرّف.
  3. "واقعية"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 24-5-2019. بتصرّف.
  4. "لمحة عن بعض أعلام المذهب الواقعي في الغرب"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 24-5-20198. بتصرّف.
  5. "الأدب السلوفاكي"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 24-5-2019. بتصرّف.
  6. "إميل زولا"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 24-5-2019. بتصرّف.
  7. "لمحة عن بعض أعلام المذهب الواقعي في الغرب"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 24-5-2019. بتصرّف.