المدارس الأدبية وخصائصها

بواسطة: - آخر تحديث: ١٥:٥٥ ، ١١ أغسطس ٢٠١٩
المدارس الأدبية وخصائصها

تعريف المدرسة الأدبية

يشيرُ مصطلح المدارس الأدبيّة إلى مجموعة من المبادئ الجماليّة والفكريّة والأخلاقيّة، تُشكّلُ في مجموعها لدى شعبٍ من الشعوب أو لدى مجموعة من الشعوب في فترة معيّنة من الزمن تيّارًا يصبغُ النتاجَ الأدبي والفني بسماتٍ فنيّة واضحة تميّز ذلك النتاج عمّا قبله وما بعده في سياق التطوّر، وتشمل المدارس الأدبية كلّ أنواع الإبداع الفني من الأدب والرسم والزخرفة، فهي نتاج فلسفيّ يبيّنُ طرائقَ التعبير الفنية الخاصة بكلّ شعب أو جماعة، وبذلك تكون المدارس الأدبية عبارة عن تكوُّن جماعيّ لا يختص بفرد بعينه، إنّما يشمل عددًا كبيرًا من المبدعين جمعتهم ذائقة فنية واحدة وأفكار متشابهة؛ وذلك لتأثرهم بمناخ بيئي عامٍ.[١]

المدراس الأدبية وخصائصها

والمدارس الأدبية لا تتشكل فجأة فتقلّد ما قبلها، ولا تنتهي فجأة أمام ظهور مدارس أدبية جديدة، بل تتكوّن تدريجيًا، حيث تتعايش آثار المدرسة الأدبية السابقة والمدرسة الأدبية الراهنة، ثم تزول الآثار القديمة رويدًا رويدًا، وبعدها تبدأ المدرسة الأدبية بالتلاشي تدريجيًا أمام مدرسة لاحقة. وكما أنّه لا يمكن إنكار التأثر بالغرب في نشأة المدارس الأدبية، فكذلك لا يمكن إنكار جهود الأدباء في نشأة هذه المدارس، وما بذلوه في سبيل الحفاظ على مبادئها، وما واجهوه من معارضين ومحاربين لمبادئهم وأفكارهم التي أسّسوا وفقَها هذه المدارس الأدبية، وبالعودة إلى الشعر العربي الحديث تظهر خمس مدارس أدبية كما سيتمّ ذكره.

مدرسة الإحياء والبعث

ظهرت هذه المدرسة في أواخر القرن التاسع عشر وهي أول المدارس الأدبية، وتسمّى الاتباعيّة أو الكلاسيكية ومن أبرز رواد هذه المدرسة: محمود سامي البارودي و حافظ ابراهيم وأحمد شوقي، نشأت هذه المدرسة في عصر النهضة، حيث أصبح الشعر ضعيفًا مِن ضعف السّاسة، فجاءت هذه المدرسة لبعث الشعر وإحيائه من جديد، فقد بذَلَ شعراء هذه المدرسة جهودَهم لإعادة الجزالة والقوّة للشعر العربيّ، وقد نَجَحوا في ذلك كما تجلّى في الشعر العربي، حيثُ استطاع البارودي أن يبعَثَ الروحَ في الشعر، وأن يجدّد الدم الذي شاخ مع ركود الحياة الشعرية في عصر ما قبل النهضة. [٢]

مدرسة الديوان

تُسمّى هذه المدرسة أيضًا بمدرسة التجديد، ومن أبرز روّادها ومؤسّسيها عباس محمود العقاد وعبد الرحمن شكري والمازني، حيث قاموا بثورة على مدرسة الإحياء؛ لأنهم يَرَوْن أن مدرسة الإحياء واحدة من المدارس الأدبية التي لا تبسُطُ شعرَها على الحياة النفسيّة، بل تنظُمُ في موضوعاتٍ تقليدية، بينما يريد العقاد وشكري والمازني أن يكون الشعر تعبيرًا عن النفس بمعناه الإنسانيّ العام لا بمعناه الفرديّ الخاصّ، وأن يكون الشعر نابعًا من الإحساس لا من الحواسّ.[٣]

جماعة أبولو

مؤسّسُ مدرسة أبولّو هو الشاعر الكبير أحمد زكي أبو شادي الذي وُلِدَ في عام 1892م، ضمّت الجماعة شعراء الوجدان في مصر والوطن العربيّ، ومن روّادها: إبراهيم ناجي، علي محمود طه، علي العناني، كامل كيالني، محمود عماد وجميلة العاليلي صالح، اسم هذه المدرسة غريب بالنسبة إلى المدارس الأدبية الأخرى، حيث يوحي هذا الاسم باتساع مجالات ثقافتهم وإبداعهم في مجالات التنمية الحضاريّة ومحبّة الفلسفة وإقرار المبادئ الدينيّة والخُلقيّة، وتعني لفظة أبولّة في الميثولوجيا الآلهةَ الإغريقيّة، وقد ظهرَ لدى شعراء هذه المدرسة من المدارس الأدبية الميل إلى تحرير القصيدة من وحدة القافية، واللجوء إلى تَعدّد القوافي في القصيدة الواحدة، وحبّهم للموسيقى الهادئة بدلًا من الصاخبة، وممّا يميزهم عن المدارس الأدبية السابقة استخدامهم للشعر المُرسَل الذي يلتزمون فيه قافية واحدة وينوّعون في البحر الشعريّ.[٤]

مدرسة شعراء المهجر

من المدارس الأدبيّة التي كان لها أثر كبير في الأدب العربي عمومًا وفي الشعر خصوصًا، وما يميّزها عن غيرها من المدارس الأدبية أنها دافعت عن الأدب العربيّ وعملت على تجديده وتطويره، مع أنّ شعراءها كانوا في بلادِ المهجر، وبرزَ اسم هذه المدرسة بين المدارس الأدبيّة مع موجات الهجرات الجماعيّة من الشام إلى الأمريكَتَيْن للهرب من الخدمة العسكريّة والاضطهاد والقهر والاستبداد والظلم الاجتماعي والاضطهاد الديني والعرقي وضيق الحال، وذلك من نهاية القرن التاسع عشر إلى حوالَيْ النصف الأول من القرن العشرين، وقد حمل هؤلاء المهاجرون أدبهم وأحلامهم وطموحاتهم، وكان من أشهرهم جبران خليل جبران الذي قال له الرئيس الأميركي روزفلت: "أنت أول عاصفة انطلقت من الشرق واكتسحت الغرب، ولكنها لم تحملْ إلى شواطئنا إلا الزهور".[٥]

ومن أبرز خصائص هذه المدرسة من المدارس الأدبية أنّ أدباءها كانوا على اختلاف مشاربهم وإثْنيّاتهم وتطلّعاتهم ومذاهبهم الفكريّة والعَقَديّة، يوحّدهم حبهم للحرف، وصدق الانتماء للأرض والوطن، والتطلّعُ إلى التحرّر وحرية الإبداع والمعتقد،‮ ولذلك كانوا أكثر إصرارًا على أن يحملوا معهم لغتَهم وعاداتِهم وتقاليدَهم ولهجاتِهم، وأن يكتبوا أدبًا عربيًا متأثرًا طبعًا بما هو رائج في تلك المجتمعات، ومع ذلك فقد كان جبران خليل جبرن يقول: "لكم لغتكم ولي لغتي"، ومن جماليّات هذه المدرسة أنها كانت تسعى إلى التجديد وتحمل على عاتقها مسؤوليّة الدفاع عنه، وميخائيل نعيمة أيضًا واحد من رواد هذه المدرسة، وقد نجح أدباء المهجر بدعوتهم إلى التجديد أكثر من المدارس الأدبية التي سبقتهم.[٥]

مدرسة الشعر الحر

يُطلق عليها أيضًا مدرسة شعر التفعيلة، يُعدّ شعر التفعيلة تغييرًا حاسمًا في تاريخ الشعر العربيّ؛ لأنه يشكّل تحوّلًا عميقًا على صعيد البناء الموسيقيّ وأنماط التعبير الفكريّة والإبداعيّة في نمط القصيدة العربيّة، وقد كانت بداية هذا التحوّل العميق في العراق على يد نازك الملائكة في قصيدة "الكوليرا"، وعلى يد بدر شاكر السياب في قصيدته "هل كان حبًا" في ديوانه "أزهار ذابلة"، كما ظهر عبد الوهاب البياتي بديوانه "ملائكة وشياطين"، وأضاف سماتٍ جديدةً إلى حركة الشعر العربي، من خلال انصهاره بنضال الشعب، واستغلالِهِ الحريةَ التي يتيحها الشكل الجديد من أجل التعبير عن همومه، والإفصاح عن آماله، ثم تتابعت بعد ذلك الدواوين الشعرية.[٦]

واتخذ شعر التفعيلة مظهرًا أقوى بظهور شعراء آخرين منهم: صلاح عبد الصبور، أحمد عبد المعطي حجازي في مصر، أدونيس وخليل حاوي في لبنان، نزار قباني في سوريا، فدوى طوقان ومحمود درويش وسميح القاسم في فلسطين، محمد الفيتوري ومحي الدين فارس في السودان، ومن أبرز خصائص قصيدة الشعر الحر اعتمادها على الوحدة العضويّة، فلم يعد البيت هو الوحدة، إنما صارت القصيدة تشكّلُ كلامًا متماسكًا، وتزاوَجَ الشكلُ والمضمون، فالبحرُ والقافية والتفعيلة والصياغة وُضِعَت كلّها في خدمة الموضوع وصار الشاعر يعتمد على التفعيلة وعلى الموسيقى الداخليّة المناسِبة بين الألفاظ.[٦]

تأثير الغرب على المدارس الأدبية

في ظلّ التّطورات التي يمرّ بها الغرب في العصر الحديث يكون العالم العربي في أغلب الأحيان تابعًا للغرب في مختلف مجالات الحياة، إذ لم يقتصر ذلك على مجالات التقدّمِ العلمي والصناعة والمخترعات الحديثة فقط، إنما كان هذا الاتباع أيضًا في عالم الأدب والنقد والمدراس الأدبيّة التي ظهرت في الأدب العربيّ بشكلٍ واضح، وتمّ الحديث عنها فيما سبق، وبالتدقيق في معظم الأفكار التي تبنتها هذه المدارس الأدبية يتضح أنها مقتبَسة من الغرب مع إضافة بعض اللمسات العربية أحيانًا، أو الإبقاء عليها كما هي أحيانًا أخرى، حيث يأتي مجموعة من الأدباء ويتبنّون أفكارًا غربية ويتفقون عليها، ثمّ يُطلقون على أنفسهم اسمًا من أسماء المدارس الأدبية التي انتشرت وظهرت بشكلٍ جليّ في العصر الحديث.[٧]

أثر المدارس الأدبية على الأدب العربي

إنّ الأدب العربي مضى في هذه الطريق حتى أوشكَ أن يصل إلى منتهاها، فقد أوصلته هذه المدارس الأدبية إلى ما عُرِفَ بالحداثة الأدبية أو أدب الحداثة، حيث غلب التفرّق والتفكّك اللفظي والمعنوي على بُنية النصوص السردية والشعرية، حتى اتسعت المسافة الفاصلة بين النصوص والقرّاء، إذْ لم يعودوا يستمتعون بالقراءة وهم في حال استرخاء وراحة، إنّما أجْبِروا على أن يكونوا مشاركين في عمليّة الكتابة وخلق دلالة النص؛ وذلك لأنّ النص الحَداثيّ مُغرِقٌ في الغموض والتفكّك لتصوير فوضى هذا العالم والوجود، فكان النتاج الأدبيّ يُجسّد الضياع وفقدان الهوية، كما ظهرت أعمال تطرح عوالم سوداويّة بائسة في الشعر والقصة والرواية.[٨]

قصائد لأبرز رواد المدارس الأدبية

عندما تأسّست المدارس الأدبية فإنّها قامت على جهود شعراء مبدعين كان لهم أثرُهم في تاريخ الأدب العربيّ، وليثبتوا قدراتِهم ويدافعوا عن مبادئهم التي أسّسوا عليها هذه المدارس الأدبية نظموا الأشعار التي تعبّر عن مواقفهم وتدافع عن آرائهم وعارضوا فيها شعراء آخرين من المدرسة الأدبية نفسها، أو من مدارس أدبية أخرى مخالفة لهم ولآرائهم، ومن هؤلاء الشعراء ما يأتي:

  • أحمد شوقي: من الروّاد الأوائل لمدرسة الإحياء والبعث، حيث بذل جهدًا كبيرًا في محاولة بعث الشّعر وإحيائه من جديد بعد أن مرَّ عليه عصر من الرّكود والتراجع والانحطاط، ومن الأشعار التي نظَمَها عن الخلافة العثمانية:[٩]

صَدَقُوا الخَلِيَفةَ طَاعَةً ومَحَبَّةً

تَمسَّكُوا بالطُّهْرِ مِنْ أَذْيَالِهِ

يجدون دَوْلتَكَ الَّتي سَعِدُوا بِهَا

مِنْ رَحْمَةِ المَوْلَى ومِنْ إفْضَالِهِ

جَدَّدتَ عَهْدَ الرَّاشِدين بِسِيرَةٍ

نََسَجَ الرَّشَادُ لَهَا عَلَى مِنْوَالِهِ

بُنِيَتْ عَلَى الشُّورَى كصَالِح حُكْمِهِم

وعَلَى حَيَاةِ الرَّأْي واسْتِقْلاَلِه
  • عبد الرحمن شكري: مدرسة الديوان أو التجديد هي ثاني مدرسة من المدارس الأدبية وكان عبد الرحمن شكري عَلَمًا من أعلامها المؤثّرين، وانطلاقًا من فكرة هذه المدرسة القائمة على أن الشعر ينبغي أن يكون نابعًا من الإحساس لا من الحواس نظم عبد الرحمن شكري قصيدة يصف فيها اليتيم ومأساته ومعاناته في الحياة قائلًا: [١٠]

وما اليُتم إلا غربةٌ ومهانةٌ

وأيّ قريبٍ لليتيمِ قريبُ؟

يمرُّ به الغلمانُ مَثنى وموحدًا

وكلّ امرئٍ يلقى اليتيمَ غريبُ

يرى كلّ أمّ بابنِها مستعزة

وهيهاتَ أن يحنو عليه حبيبُ

يسائلُهُ الغلمان عن شأنِ أهلِه

فيحزنٌه ألّا يجيبَ مجيبُ
  • بدر شاكر السياب: ارتبط اسم شعر التفعيلة أو الشعر الحر باسم بدر شاكر السياب؛ فهو مع أنه بدأ بشعر كلاسيكي ثم تأثّر بالرومانسية، لكنّ بداية ظهور شعر التفعيلة كانت على يديْه في مجموعة من القصائد التي نظَمَها، حيث خرج عن القصيدة التقليديّة، وبدأ بشكل فني جديد ومنها قصيدة "أنشودة المطر" التي يقول فيها: [١١]
عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السّحَرْ
أو شُرْفَتَانِ راح ينأى عنهما القمرْ
عيناكِ حين تبسُمانِ تُورقُ الكُرومْ
وترقُصُ الأضواءُ كالأقمار في نَهَرْ
يَرُجّه المجذّاف وَهْنًا ساعةَ السحَرْ
أتعلمين أيّ حزنٍ يبعثٌ المطرْ
وكيف تنشجُ المزاريب إذا انهمَرْ
وكيف يشعرُ الوحيدُ فيه بالضّياعْ
بلا انتهاء، كالدّمِ المُراق، كالجياعْ
كالحبّ، كالأطفالِ كالموتى، هو المطرْ

المراجع[+]

  1. " المذاهب الأدبية في الغرب (مقدّمة)"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 29-04-2019. بتصرّف.
  2. "المدارس الشعرية العربية في القرن العشرين"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 28-04-2019. بتصرّف.
  3. "المدارس الشعرية العربية في القرن العشرين"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 29-04-2019. بتصرّف.
  4. "جماعة ابولو"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 29-04-2019. بتصرّف.
  5. ^ أ ب "الأدب المهجري تاريخه خصوصياته ومظاهره"، www.ahewar.org، اطّلع عليه بتاريخ 29-04-2019. بتصرّف.
  6. ^ أ ب "شعر حر"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 29-4-2019. بتصرّف.
  7. "معرفة اتجاهات الأدب العربي الحديث: المحاكاة والأفق المسدود"، www.ida2at.com، اطّلع عليه بتاريخ 28-4-2019. بتصرّف.
  8. "اتجاهات الأدب العربي الحديث: المحاكاة والأفق المسدود"، www.ida2at.com، اطّلع عليه بتاريخ 30-04-2019. بتصرّف.
  9. "مدرسة الإحياء"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 30-04-2019. بتصرّف.
  10. "عبد الرحمن شكري"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 30-04-2019. بتصرّف.
  11. "بدر شاكر السياب"، www.wikiwand.com، اطّلع عليه بتاريخ 30-04-2019. بتصرّف.