الفرق بين القضاء والقدر

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:٣٤ ، ٢٦ مايو ٢٠١٩
الفرق بين القضاء والقدر

أركان الإيمان

لقد ارتضى اللهُ -سبحانه وتعالى- لعباده دينَ الإسلام وجعل لهذا الدين أركانًا خاصَّة به، والإسلام هو التسليم لأوامر الله -عزَّ وجلَّ- وقد أمر الله -سبحانه وتعالى- الناس بالإيمان به حقَّ الإيمان، فجعل لهم أركان الإيمان التي يجب على كلِّ مُسلم أن يؤمن ويُسلِّم بها تسليمًا تامًا، أركان الإيمان في الإسلام ستة أركان وهي أن يؤمن الإنسان أولًا بالله -سبحانه وتعالى- ثمَّ أن يؤمن بوجود الملائكة وبوجود الكتب السماوية ثمَّ أن يؤمن برسل الله تعالى ويؤمن اليوم الآخر وبالقضاء والقدر خيره وشره، قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}[١]، وهذا المقال سيتناول الحديث عن الفرق بين القضاء والقدر في الإسلام.

تعريف القضاء

قبل الخوض في إظهار الفرق بين القضاء والقدر، يمكن تعريف القضاء على أنَّه الحكم أو الحتم، قضى بالشيء أي حسمه وبتَّ في الأمر، ويكون القضاء بمعنى الخلق أيضًا، ويُقال قضاء الشيء أي الفصل به تمامًا، وقد أطلق القرآن الكريم لفظ القضاء بمعانٍ عديدة، وفيما يأتي أبرز معاني القضاء التي تناولها القرآن الكريم:[٢]

  • معنى الوصية والأمر: قال تعالى في سورة الإسراء: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}[٣].
  • معنى الانتهاء والفراغ من الشيء: قال تعالى في سورة البقرة: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا...}[٤].
  • معنى الإعلام بالشيء والإخبار به: قال تعالى في سورة الإسراء: {وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا}[٥].
  • معنى حسم الشيء: قال تعالى في سورة يوسف: {قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ}[٦].
  • معنى الخلق: قال تعالى في سورة فصلت: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا...}[٧].

تعريف القدر

إنَّ القدر في اللغة مصدر للفعل قدر يقدرُ، أمَّا الاصطلاح القدر هو خروج أو انتقال الممكنات من العدم إلى الوجود، وهو التنفيذ العملي لما جاء في القضاء، فالقضاء كُتب في الأزل والقدر هو الذي لم يزل قيد التنفيذ، وقد وردَت كلمة القدر أيضًا في القرآن الكريم بمعانٍ عدة، من أبرز هذه المعاني:[٢]

  • معنى التضييق: قال تعالى في سورة الفجر: {وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ}[٨].
  • معنى التعظيم والتقديس: قال تعالى في سورة الزمر: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}[٩].
  • معنى التدبير واختيار الأفضل: قال تعالى في سورة المرسلات: {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ}[١٠].
  • معنى القضاء والحكم: قال تعالى في سورة الواقعة: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ}[١١].

الفرق بين القضاء والقدر

كثير من الناس يسأل عن الفرق بين القضاء والقدر في الإسلام، وقد جاءت في الإجابة عن هذا السؤال أقوال كثيرة للعلماء، فذهب بعضهم إلى أنَّ القضاء والقدر مترادفان في المعنى، فقد فسَّر علماء اللغة معنى القدر بالقضاء والعكس بالعكس، فقيل: القدر هو القضاء والحكم، وقد سُئل الشيخ ابن باز -رحمه الله- عن الفرق بين القضاء والقدر فأجاب: "القضاء والقدر، هو شيءٌ واحدٌ، الشيء الذي قضاه الله سابقًا، وقدَّرَهُ سابقًا، يُقالُ لهذا: القضاءُ، ويُقال له: القدرُ"، ويرى علماء آخرون أنَّه هناك فرق بين القضاء والقدر، فالقضاء يسبق القدر من حيث الحدوث، ويفسرون هذا في أنَّ القضاء هو ما كتب الله تعالى على الناس منذ الأزل، أمَّا القدر فهو التنفيذ العملي لما كَتب الله تعالى وموافقة ما أراد الله للناس جميعًا قبل بداية الخلق، وقد قال ابن حجر في كتابه فتح الباري: "قال العلماء: القضاء هو الحكم الكلِّي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله"، وقال ابن حجر أيضًا: "القضاء: الحكم بالكلِّيات على سبيل الإجمال في الأزل، والقدر الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل"، وقد أظهر الجرجاني الفرق بين القضاء والقدر بتعريفهما على النحو التالي: القدر هو خروج الممكنات من العدم إلى الوجود، واحدًا بعدَ واحدٍ، مطابقًا للقضاء"، والقضاء هو ما جاء منذ الأزل والقدر هو الذي يحدث ولم يزل قيد الحدوث، فيرى كسابقه إنَّ القضاء ما كُتب في اللوح المحفوظ ولم يُنفّذ، والقدر هو التنفيذ العملي للذي كُتب في اللوح المحفوظ، ويرى بعض العلماء أيضًا أنَّ القدر يسبق القضاء، فالقدر هو ما حكم الله به منذ الأزل والقضاء هو التنفيذ العملي والخلق الفعلي، قال الأصفهاني: "والقضاء من الله تعالى أخص من القدر؛ لأنَّه الفصل بين التقدير، فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع"، والله تعالى أعلم.[١٢]

حكم الخوض في القضاء والقدر

بعد إظهار الفرق بين القضاء والقدر، لا بدَّ من المرور على حكم الخوض في هذه المسألة الغيبية التي خاض فيها كثير من الناس، وفي هذا السياق يمكن القول إنَّ الكثير من العلماء خاضوا وحاولوا تفسير القضاء والقدر بطريقة منطقية عقلية فكثر الجدل واحتدَّ النقاش ووصل الأمر إلى التسليم بالقضاء والقدر خيره وشره تسليمًا مطلقًا دون الخوض في هذا المجال أبدًا، فالخوض والجدل في الحديث عن القضاء والقدر لا يجدي نفعًا أبدًا وعلى الإنسان أن يخوض ويبحث فيما ينفعه، قال تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ}[١٣]، وإنَّما تحريم الخوض في القضاء والقدر خوفًا من الوصول إلى إنكار هذا الأمر فكثير من الخائضين أنكروه نهاية وفي هذا شرك -والعياذ بالله- وفيه إنكار ركن من أركان الإيمان، والله تعالى أعلم.[١٤]

المراجع[+]

  1. سورة البقرة، آية: 285.
  2. ^ أ ب "القضاء والقدر والعلاقة بينهما"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 25-05-2019. بتصرّف.
  3. سورة الإسراء، آية: 23.
  4. سورة البقرة، آية: 200.
  5. سورة الإسراء، آية: 4.
  6. سورة يوسف، آية: 41.
  7. سورة فصلت، آية: 12.
  8. سورة الفجر، آية: 16.
  9. سورة الزمر، آية: 67.
  10. سورة المرسلات، آية: 23.
  11. سورة الواقعة، آية: 60.
  12. "هل هناك فرق بين القضاء والقدر؟"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 25-05-2019. بتصرّف.
  13. سورة المائدة، آية: 101.
  14. "حكم الخوض في القضاء والقدر"، www.binbaz.org.sa، اطّلع عليه بتاريخ 25-05-2019. بتصرّف.