الفرق بين البلاء والعقاب

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٤٧ ، ٢٧ مايو ٢٠١٩
الفرق بين البلاء والعقاب

مفاهيم إسلامية

جعل الإسلام مسميات خاصة لكلِّ شيء يتعلَّق بحياة العبد، فالصلاة والعبادة والقرآن والسنة النبوية وصلاة الحاجة والجنة والنار والبلاء والعقاب، بعضها مصطلحات ومفاهيم جاء بها الإسلام لنفسه فقط ولم تكن موجودة من قبل، ومنها مفاهيم معروفة استخدمها الإسلام توضيحًا لكثير من الأشياء الغامضة والغيبية، وهنا يمكن القول إنَّ مصطلح البلاء ومصطلح العقاب كانا موجودين قبل الإسلام وقد اتخذا في الإسلام معانٍ أخرى تختلف -إلى حدٍّ ما- عن معناهما الأصلي، وهذا المقال سيسلِّط الضوء على تعريف البلاء والعقاب وعلى الفرق بين البلاء والعقاب في الإسلام.

تعريف البلاء

البلاء لغة هو مفرد كلمة البلايا، ومعنى البلاء هو الاختبار والتجريب، فيُقال بلاه الله تعالى أي اختبره وجرَّب صبره، ولا يكون البلاء بالشر فقط كما يظن كثير من الناس، إنَّما البلاء في الإسلام قد يكون بالخير والشر معًا، فكثرة المال خير وبلاء واختبار من الله -سبحانه وتعالى-، ومن معاني كلمة البلاء أيضًا: التجريب والمعرفة والبلاء هو المحنة والنائبة التي تنزل على الإنسان، والبلاء يكون من الله وحده، قال تعالى في سورة الأنبياء: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}[١]، وكلُ إنسان من الناس يُبتلى ببلاء يختاره الله تعالى له، فعليه أن يكون صابرًا راضيًا بما قسم الله تعالى له، وعلى الإنسان أن ينتظر رحمة الله -سبحانه وتعالى- وعليه أن يؤمن أن كلَّ ما يحدث له من قضاء الله وقدره وإنَّ من أركان الإيمان أن يؤمن الإنسان بالقضاء والقدر خيره وشرِّه، والله أعلم.[٢]

تعريف العقاب

قبل الحديث عن الفرق بين البلاء والعقاب في الإسلام وبعد تعريف البلاء، يُعرَّف العقاب في الإسلام بأنَّه المصير الذي ينالهُ العبد على أفعاله التي ارتكبها في حياته، وقد جعل الله العقاب للناس ليحفظ أنفسهم ودينهم وعقولهم ونسلهم ومالهم، فهذه الأشياء الخمسة هي التي يتعرَّض الإنسان للأذى من أجلها، لذلك جعل الله العقاب لمرتكب الخطأ صغُرَ هذا الخطأ أم كبر، فالله تعالى جعل القصاص لحفظ النفس، فالقصاص من القاتل حفظ نفوس الناس من أن تهدر بعشوائية، كما جعل حدَّ الردة ليحفظ دين الناس، وشرَّع الله تعالى حدَّ الخمر ليحفظ عقول الناس وجعل للزنا حدًّا ليحفظ نسل الناس، وحدَّ السرقة ليحفظ مال الناس، ولم يفرض الله تعالى العقاب على الناس حتَّى أنذرهم وبيَّن لهم الحرام من الحلال والصواب من الخطأ، ثمَّ من أخطأ وأساء كتب له العقاب المشروع الذي عرَّفه إياه من قبل، قال تعالى في سورة الإسراء: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}[٣]، وقال تعالى في سورة القصص: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ۚ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ}[٤]، والله تعالى أعلم.[٥]

الفرق بين البلاء والعقاب

في بداية الحديث عن الفرق بين البلاء والعقاب في الإسلام، إنَّ كثير من الناس يظنون كلَ مصيبة تقع على العبد عقابًا على التقصير في أمر معين، وهذا فهم خاطئ نتج عن الاختلاف في فهم النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تناولت هذه المسألة، فالله تعالى يقول: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}[٦]، وهذا دليل صريح على أنَّ المصيبة إذا حلَّت تكون بسبب تقصير العبد، ولكنَّ فكرة نزول المصيبة على العبد في سبيل الاختبار والتجريب والبلاء فكرة أشارت إليها نصوص إسلامية كثيرة، فعلى سبيل المثال المصائب التي أنزلها الله تعالى على عبده الصابر أيوب -عليه السَلام- هذه المصائب كلُّها بلاء وامتحان وتجريب من الله لأيوب -عليه الصَّلاة والسَّلام- ليكشف مدى صبره، قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}[٧]، وبناء على ما سبق يمكن القول إنَّ الفرق بين البلاء والعقاب هو أنَّ البلاء يكون للاختبار والامتحان وبالتالي لرفع درجات العبد، أمَا العقاب فيكون بسبب تقصير سابق وتكفير لذنوب سبق أن ارتكبها العبد، والفرق بين البلاء والعقاب هو أنَّ البلاء يكون للمؤمنين في هذه الدنيا، فلا يبتلي الله المشركين ليرفع درجاتهم فهم مشركون في الأصل، ولا يترك الله المؤمنين دون بلاء واختبار، قال تعالى في محكم التنزيل: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}[٨]، أمَّا العقاب فمن الناس من يُعاقب على كلُّ ذنوبه في الحياة الدنيا فيلقى الله وما عليه خطيئة، وهذا عظيم المنزلة عند الله تعالى، لذلك يكون البلاء على الأنبياء شديدًا ويكون البلاء على الصالحين شديدًا، روى سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: "قلتُ : يا رسولَ الله! أي النَّاس أشدُّ بلاءً؟ قال: الأنبياءُ ثمَّ الأمثلُ فالأمثلُ، فيُبتلَى الرَّجلُ على حسبِ دينهِ فإنْ كان دينُهُ صلبًا اشتدَّ بلاؤهُ، وإن كان في دينِهِ رِقَّةٌ ابتُليَ على حسبِ دينهِ، فما يبرَحُ البلاءُ بالعبدِ حتَّى يتركَهُ يمشي على الأرضِ وما عليه خطيئةٌ"[٩]، والخلاصة إنَّ البلاء والعقاب يتفقان بالشكل حيث إنَّ كلاهما مصائب تنزل على العبد، ولكنَّ الفرق بين البلاء والعقاب هو أنَّ البلاء اختبار والعقاب جزاء لتقصير وذنب سابق، والله تعالى أعلم.[١٠]

البلاء في السنة النبوية

بعد الحديث عن الفرق بين البلاء والعقاب، ستكون الإشارة في هذا المقال إلى الأحاديث النبوية الشريفة التي تحدث فيها رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن البلاء وأهميته للمؤمن، وقد ذكر رسول الله البلاء ليدرب أصحابه على الصبر، فمعظم النصوص الدينية التي تتحدث عن البلاء يكون مغزاها حثُّ الناس على الصبر والتَّحمُّل والجلد، ومن الأحاديث النبوية التي تناولت الحديث عن البلاء:[١١]

  • عن أبي هريرة -رضي الله عنه- إنَّ رسول الله -عليه الصَّلاة والسَّلام- قال: "ما يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِن نَصَبٍ ولَا وصَبٍ، ولَا هَمٍّ ولَا حُزْنٍ ولَا أذًى ولَا غَمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِن خَطَايَاهُ"[١٢].
  • وروى صهيب بن سنان -رضي الله عنه- إنَّ رسول الله -عليه السَّلام- قال: "عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا له"[١٣].
  • عن أبي هريرة -رضي الله عنه- إنَّ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: "ما يزالُ البلاءُ بالمؤمنِ والمؤمنةِ في جسدِه وفي مالِه وولدِه حتَّى يلقى اللهَ وما عليه مِن خطيئةٍ"[١٤].

المراجع[+]

  1. سورة الأنبياء، آية: 35.
  2. "البلاء أسبابه وكيف يكشف عن العبد؟"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 27-05-2019. بتصرّف.
  3. سورة الإسراء، آية: 15.
  4. سورة القصص، آية: 59.
  5. "الجريمة والعقاب في الإسلام"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 27-05-2019. بتصرّف.
  6. سورة الشورى، آية: 30.
  7. سورة محمد، آية: 31.
  8. سورة العنكبوت، آية: 2.
  9. رواه ابن حبان، في المقاصد الحسنة، عن سعد بن أبي وقاص، الصفحة أو الرقم: 83، صحيح.
  10. "كيف نُفرق بين الابتلاء والعقوبة؟!"، www.ahlalhdeeth.com، اطّلع عليه بتاريخ 27-05-2019. بتصرّف.
  11. "سنة الابتلاء"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 27-05-2019. بتصرّف.
  12. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 5641، صحيح.
  13. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن صهيب بن سنان، الصفحة أو الرقم: 2999، صحيح.
  14. رواه ابن حبان، في صحيح ابن حبان، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 2924، أخرجه في صحيحه.