الشعر في صدر الإسلام

بواسطة: - آخر تحديث: ١٣:٤٧ ، ٢٦ يونيو ٢٠١٩
الشعر في صدر الإسلام

الشعر قبل الإسلام

احتلّ الشعر مكانة فريدة في نفوس العرب قبل الإسلام، ونال الشّعراء المنزلةَ الكبرى لدى النّاس؛ لأنّهم حمّلوا الشّعراء لواءَ الدفاع عن قبائلهم في السّلم والحرب، كما أنّهم خلّدوا مآثر أقوامهم جودًا وكرمًا وإباء ضيم وحماية جار، كذلك فقد خلّدوا ذمّ خصومهم هجاء حفظته لنا أشعارهم، فضلًا عن تسجيل معارك انتصاراتهم وأيّامهم المعروفة، ولا تُنتَسى مكانة الشّاعر الكبيرة لدى العرب، فكانت القبيلة قديمًا إذا أجاد فيها شاعرٌ أقبلت عليها القبائل تهنّئها، وصنعت الأطعمة والأشربة، واحتفلوا به كما في الأعراس، وقد نسب إلى عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- قوله: "كان الشّعر علم قوم لم يكن لهم علم أصحّ منه"، وتاليًا حديثٌ حول الشعر في صدر الإسلام. [١]

الشعر في صدر الإسلام

عصر صدر الإسلام هو عصر بعثة النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- ودعوته وعصر الخلفاء الرّاشدين الأربعة، وقد اندفع فيه الشّعراء المسلمون يذودون عن دينهم الجديد بألسنتهم، كما يذود الصّحابة عن دينهم بأسلحتهم، ويمدحون النّبيّ وأصحابه والدّين الجديد، ويهجون مشركي قريش وأيّامهم، ومن بين هؤلاء الشعراء: حسّان بن ثابت، وكعب بن مالك، وكعب بن زهير، وعبد الله بن رواحة، والحطيئة. وقد وقع الخلاف بين النّقاد والأدباء حول طبيعة الشعر في صدر الإسلام، وقد انقسموا إلى رأيين، فأمّا أصحاب الرّأي الأوّل يرى بأنّ الشّعر ضعف وتراجع، ومنهم "ابن سلّام" صاحب كتاب "طبقات فحول الشّعراء" الذي ذكر فيه: بأنّ العرب بُهروا بالقرآن الكريم، وبإعجازه اللّغويّ البيانيّ، كما أنّهم انشغلوا بالجهاد والغَزْو مع الرّسول –صلّى الله عليه وسلّم- ممّا قلّل اهتمامهم بالشّعر وصرفهم عنه، ومن الأسباب الأخرى أيضًا: ارتباك الشّعراء بطبيعة الحياة الجديدة، وعدم تعوّدهم عليها، وبمعنى آخر عدم قدرتهم على تغيير عقيدتهم الشّعريّة التي تعوّدوا عليها. [٢]

أمّا أصحاب الرّأي الثّاني فيَرَوْا بأنّ الشعر في صدر الإسلام تطوّر وازدهر، ومن أصحاب هذا الرّأي "شوقي ضيف" وقد برهن على ما ذهب إليه بازدياد عدد الشّعراء، وإضافة موضوعات جديدة إلى الشّعر، وقدّم عددًا من النّماذج، وردت في كتب الأدب ليؤكّد رأيه هذا، وقد تميّز الشّعر في هذه الفترة بخصائص على المستوى اللّغويّ، من أهمّها: وضوح لغته المستخدمة، من حيث سهولتها ولينها وبعدها عن الغرابة والغموض والرّموز المبهمة، وتأثير القرآن الواضح على القصائد، وبالنسبة لموضوعاتهم، تناولهم للموضوعات الدّعويّة، والحثّ على مكارم الأخلاق، ومواضيع الحماسة، والحثّ على الجهاد كأهمّ الموضوعات لديهم، نظرًا للتّحوّلات التي شهدتها تلك الفترة من غزوات وفتوحات متوالية [٢]، ومن أمثلة شعر ذلك العصر قول شاعر النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- حسّان بن ثابت في مدحه له: [٣]

وَأَحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني

وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ

خُلِقتَ مُبَرًّأ مِن كُلِّ عَيبٍ

كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشاءُ

شعراء من صدر الإسلام

لم يتوقّف الشعر في صدر الإسلام كما يتوهّم البعض، ولم يتأخّر عن مواكبة الأحداث العظام في ذلك العصر، إنّما أصابه شيء من التحوّل الذي فرضه الإسلام، وما نتج عنه من تبدّل في منظومة القيم، وما خلّفه من إعلاء القيم الجديدة التي جاء بها الدّين الحنيف الجديد، ومن أمثلة شعراء صدر الإسلام: [٤]

  • عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه-: ابن عمّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- والخليفة الرّابع، كان عليّ بن أبي طالب صاحب بلاغة، ومشهودًا له بالفصاحة، وكان الشّعر ينساب على لسانه انسياب ماء الغدير، فكان له موهبة شعريّة متّقدة، ليقظة قلبه، وانتباه ضميره، متّقد العواطف، حارّ الانفعالات، قال الشّعر في معظم الأغراض الشّعرية، فمن روائع شعر الحكمة لديه، قوله في العقل والعلم: [٥]

إِذا اجْتَمَعَ الاڑفاتُ فالبُخْلُ شَرُّها

وشَرٌّ مِنَ البُخْلِ المواعِيدُ والمَطْلُ

ولا خيرَ في وعدٍ إذا كانَ كاذبًا

وَلا خيرَ في قولٍ إذا لمْ يكنْ فعلُ

وإنْ كُنْتَ ذا عَقْلٍ ولَمْ تَكُ عَالمًا

فأَنْتَ كَذِي رِجْلٍ وَلَيْسَ له نَعْلُ

أَلاَ إِنَّما الإنسانُ غِمْدٌ لِعَقْلِهِ

ولا خير في غمدٍ إذا لم يكن نصلُ
  • أبو محجن الثّقفيّ: عمرو بن حبيب بن عمرو الثقفيّ، حبسه سعد بن أبي وقّاص والمسلمون في حربهم بالقادسيّة، فقال هذه الأبيات يستعطف أم ولد لسعد أن تطلقه كي يلحق بالمجاهدين: [٦]

كَفَى حَزَنًا أَنْ تَرْتَدِي الخَيْلُ بِالقَنَا

وَأُتْرَكَ مَشدُودًا عَلَيَّ وَثَاقِيَا

إِذَا قُمْتُ عَنَّانِي الحَدِيدُ وَغُلِّقَتْ

مَغَالِيقُ دُونِيْ تُصِمُّ المُنَادِيا

وَقَدْ كُنْتُ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ وَإِخْوَةٍ

فَقَدْ تَرَكُونِي وَاحِدًا لَا أَخَا لِيَا

فلِلَّهِ عَهْدٌ لَا أَخِيسُ بِعَهْدهِ

لَئِنَ فُرِّجَتْ أَلَّا أَزُورَ الحَوَانِيَا
  • عمرو بن معد يكرب: أبو ثور عمرو بن معد يكرب الزّبيديّ المذحجيّ، أحد الصحابة الكرام، يمنيّ من مذحج وهو بن خالة الزّبرقان، من الشّعراء المخضرمين، وكان من المشهود لهم بالفروسيّة في الجاهليّة، وقد ارتدّ عن الإسلام لكنّه تاب، ورجع وشارك في الفتوح وجاهد في سبيل الله بصدق وإخلاص، وقد شهد القادسيّة وله فيها بلاؤه وأثره، وهذه أبيات من مجزوء الكامل يقول فيها مفتخرًا: [٧]

وبَدَتْ لَمِيسُ كأَنَّها

بدرُ السَّماءِ إِذا تَبَدّى

وبَدَتْ مَحاسِنُها التي

تَخْفَى، وكانَ الأَمْرُ جِدّا

نازَلْتُ كَبْشَهُمُ ولَمْ

أَرَ مِن نِزالِ الكَبْشِ بُدّا

كَمْ مِن أَخٍ لِيَ صالِحٍ

بَوَّأْتُهُ بِيَدَيَّ لَحْـدا

ما إِنْ جَزِعْتُ ولا هَلِعْ

تُ ولا يَرُدُّ بُكايَ زَنْدا

أُغْنِي غَناء الذَّاهِبي

نَ، أُعَدُّ لِلأَعْداءِ عَدّا

ذَهَبَ الذينَ أُحِبُّهُمْ

وبَقِيتُ مَثْلَ السَّيْفِ فَرْدا

المراجع[+]

  1. "مكانة الشاعر في العصر الجاهلي"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 21-06-2019. بتصرّف.
  2. ^ أ ب "موقف القرآن من الشعر"، www.uobabylon.edu.iq، اطّلع عليه بتاريخ 21-06-2019. بتصرّف.
  3. "المخضرمون » حسان بن ثابت » وأحسن منك لم تر قط عيني"، www.aldiwan.net، اطّلع عليه بتاريخ 21-06-2019.
  4. "شعراء صدر الإسلام"، www.al-hakawati.la.utexas.edu، اطّلع عليه بتاريخ 21-06-2019. بتصرّف.
  5. "إِذا اجْتَمَعَ الاڑفاتُ فالبُخْلُ شَرُّها"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 21-06-2019.
  6. "ذكر خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه"، www.al-hakawati.net، اطّلع عليه بتاريخ 21-06-2019.
  7. "كتاب الوسيلة الأدبيّة إلى العلوم العربيّة"، www.books.google.com، اطّلع عليه بتاريخ 21-06-2019.