السخرية في شعر دعبل الخزاعي

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٥٢ ، ٢٨ مارس ٢٠١٩
السخرية في شعر دعبل الخزاعي

شعراء العصر العباسي

شهدَ العصر العباسي حركة شعريّةً خالدة، متمثلة بشعراء عُدُّوا من أهمّ التجارب الشعرية في الشعر العربي على مرِّ التاريخ، مثل: أبي الطيب المتنبي وأبي فراس الحمداني وأبي نُوَاس وأبي العتاهية والبحتري وأبي تمام والشريف الرضي وأبي العلاء المعرَّي، وهذا ما جعل العصر العباسي من أعظم العصور التي مرّت على تاريخ الأدب، وقد حاول الشعراء في هذا العصر الالتزام بالأغراض الشعرية الموروثة، فكتبوا في الرثاء والغزل والمديح والهجاء كمن سبقهم، وفي هذا المقال سيتمّ تناول واحد من شعراء أهل البيت، وهو الشاعر دعبل الخزاعي من جوانب عدة.

نبذة عن دعبل الخزاعي

هو محمد بن علي بن رزين، لُقِّبَ بلقب دعبل الخزاعي وهو من أشهر شعراء العصر العباسي، وُلِدَ في الكوفة عام 148هـ، ولَقَّبتْهُ القابلة بدعبل لدعابة كانت فيه، وقد اشتهر دعبل بقصائده التي يشيِّع بها آل الإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- إضافة إلى اشتهاره بهجائه لخلفاء العباسيين، فهو أحد شعراء أهل البيت، وقد حاولَ الخلفاء العباسيون أن يجذبوه بالمال ويغروه، ولكنّه فضّل البقاء بعيدًا عن الترف وأصرَّ على هجائه للعباسيين ومديحه لآل البيت حتّى أصبح من أهم شعراء آل بيت رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-.

تنقّل دعبل الخزاعي وسافر إلى بغداد في زمن خلافة المأمون، فاختلط بشعرائها وكسب البلاغة وأنضج تجربته، حتّى أصبح من فحولِ الشعراء وكان هجّاءً، لاذع اللسان، وبسبب هجائه وكثرة السباب في أشعاره كثر كارهوه وأعداؤه، ولكنّه لم يبالِ بهم، واشتهرت له مقولته في هذا المقام حيث قال: "أنا أحمل خشبتي على كتفي منذ خمسين سنة، لست أجد أحدًا يصلبني عليها" حتّى تجنّبَ الناس لسانه.

وقد مات دعبل الخزاعي مقتولًا على يد أحد من هجاهم في حياته، وهو مالك بن طوق، الذي بعث لدعبل رجلًا مقدامًا قويًّا ليقتل دعبل الخزاعي، فلَقِيهُ في منطقة السوس وقتله عام 220 للهجرة [١].

السخرية في شعر دعبل الخزاعي

اشتهر دعبل الخزاعي بالهجاء وبالسباب في قصائده، فكانَ هجَّاءً لاذعًا سليط اللسان، وكان يهجو أكثر هجائه خلفاء العباسيين، لأنّه من الشيعة المعارضين للحكم العباسي وكانَ دعبل الخزاعي أحد أشهر شعراء أهل بيت رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، ولهذا لقد اشتهر دعبل الخزاعي بالهجاء الساخر بكلِّ أشكاله، وأشهر ما كانَ عنده هو الهجاء السياسي الساخر الذي وجهه -كما وردَ سابقًا- للخلفاء العباسيين، ولهذا كانَ يضمّنَ في هجائه ألفاظًا وعباراتٍ ساخرةً، ولعلَّ هذه السخرية انطلقت من الصراع الذي كانَ يعيشه الشاعر بين عالمه الداخلي الرافض لسياسة الحكم في عالمه الخارجي المحيط به، ويقول بعض النقاد: إنَّ الشاعر يلجأ إلى السخرية في هجائه عندما يكون في قمة غضبه، فيفرّغ هذا الغضب بالهجاء لاجئًا إلى بعض العبارات الساخرة، وهذا ما كان عند الشاعر دعبل الخزاعي في قولِهِ:

وعاثتْ بنو العباس في الدينِ عيثةً                  تحكَّمَ فيها ظالمٌ وظنينُ

وسمُّوا رشيدًا ليسَ فيهمْ لرشدهِ                   وها ذاكَ مَأْمُونٌ وذاكَ أَمينُ

فما قبلتْ بالرشدِ منهمْ رعايةٌ                        وَلا لِوليٍّ بالأَمانَةِ دِينُ

رَشيدُهم غاوٍ، وطِفلاهُ بَعْدَهُ                           لهذا رزايا، دونَ ذاكَ مجونُ

وفيما يأتي سيتم تناول المزيد من شعر دعبل الخزاعي في كلِّ الأغراض الشعرية التي اشتهر بها.

قصائد دعبل الخزاعي

عُرِفَ دعبل الخزاعي بأنّه من أهم شعراء الهجاء الساخر في تاريخ الأدب العربي، وعُرِفَ بموقفه المعارض لحكم العباسيين، فأكثر من هجائهم، بعد الحديث عن حياته والسخرية في شعر دعبل، لا بدَّ من المرور على بعض قصائده في الأغراض الشعرية المختلفة التي تطرَّق لها:

  • يقول دعبل الخزاعي في إحدى قصائده: [٢].

تأسَّفَتْ جَارتي لمَّا رَأْتْ زَوَري                        وعدَّتِ الحلمَ ذنبًا غيرَ مغتفرِ

تَرجُو الصِّبا بَعدمَا شابَتْ ذَوَائِبُها                     وقدْ جرتْ طلقًا في حلبةِ الكبرَ

أَجارتي! إِنَّ شَيبَ الرَّأْسِ نَفَّلني                     ذِكرَ الْغواني، وأَرضاني مِنَ القَدَرِ

لو كُنتُ أَرْكُنُ للدُّنيا وزِينتِها                            إِذنْ بكِيتُ على المَاضِينَ مِن نَفَرِي

أخنى الزمانُ على أهلي فصدَّعَهمْ                  تَصدُّعَ الشَّعْبِ لاقَى صَدمةَ الحجرِ

بَعضٌ أَقامَ، وبَعضٌ قد أَهَابَ بهِ                       داعي المنيةِ، والباقي على الأثرِ

أما المقيمُ فأخشى أنْ يفارقني                     وَلَسْتُ أَوْبَةَ مَنْ ولَّى بمنتَظرِ

أصبحتُ أخبرُ عنْ أهلي وعنْ ولَدِي                  كحالمٍ قصَّ رؤيا بعدَ مدَّكرِ

لولا تشاغلُ نفسي بالألى سلفوا                   مِن أَهْلِ بَيتِ رَسُولِ اللّهِ لم أقرِ

وفي مواليكَ للمحزونِ مشغلةٌ                        منْ أنْ تبيتَ لمفقودٍ على أثرِ

كم مِن ذِراعِ لَهُمْ بالطَّفِّ بائِنَةٍ                          وعارضٍ منْ صعيدِ التربِ منعفرِ

أنسى الحسينَ ومسراهمْ لمقتلهِ                   وهُمْ يَقُولونَ: هَذا سيِّدُ الْبَشَرِ

يا أُمةَ السُّوءِ ما جازَيتِ أَحمدَ عن                      حسنِ البلاءِ على التنزيل والسُّورِ

خلفتموهُ على الأبناءِ حين مضى                       خلافةَ الذئب في أبقار ذي بقرِ

  • وقال دعبل في قصيدة أخرى:

أَلاَ مَا لِعَيني بالدُّمُوعِ استهلَّتِ                 ولو فَقَدَتْ ماءَ الشُّؤُون لَقَرَّتِ

على منْ بكتهُ الأرضُ واسترجعتْ لهُ          رؤوس الجبال الشامخاتِ وذلتِ

وقَدْ أَعْوَلَتْ تَبكي السَّمَاءُ لِفَقْدِهِ               وأنْجُمُها ناحَتْ عليهِ وَكَلَّتِ

فنحنُ عليهِ اليومَ أجدرُ بالبكا                     لمرزئةٍ عزتْ لدينا وجلتِ

رزينا رضيَّ الله سبطَ نبيِّـنا                       فأخلفت الدنيا لهُ وتولتِ

وَمَا خَيرُ دُنيا بَعدَ آلِ مُحَمَّدٍ                       ألا لا نُباليها إذَا ما اضمًحلّتِ

تجلتْ مصيباتُ الزمانِ ولا أرى                   مصيبتنا بالمصطفينَ تجلتِ

  • وقال أيضًا:

إنَّ المشِيبَ رِداءُ الحِلمِ والأَدبِ                   كما الشبابُ رداءُ اللَّهوِ واللعبِ

تَعجَّبَتْ أَنْ رَأَتْ شَيْبي فقُلتُ لها:                لا تعجبي، مَنْ يطُلْ عمر بهِ يَشِبِ

شَيبُ الرِّجالِ لَهمْ زَينٌ وَمَكْرُمَةٌ                   وشيبكنَّ لكنَّ العارُ فاكتئبي

فينا لكنَّ -وإن شيبٌ بَدا- أربٌ                     وَلَيسَ فيكُنَّ-بَعد الشَّيبِ- مِن أَرَبِ

المراجع[+]

  1. دعبل الخزاعي, ، "www.marefa.org"، اطُّلِع عليه بتاريخ 17-11-2018، بتصرُّف
  2. العصر العباسي: دعبل الخزاعي, ، "www.adab.com"، اطُّلِع عليه بتاريخ 17-11-2018، بتصرُّف