الخطاب الشعري عند الشريف الرضي

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٨:٥٢ ، ٢٨ مارس ٢٠١٩
الخطاب الشعري عند الشريف الرضي

شعراء العصر العباسي

شهدَ العصر العباسي حركة شعريّةً خالدة، مُتمثِّلة بشعراء عُدُّوا من أهمّ التجارب الشعرية في الشعر العربي على مرِّ التاريخ، مثل: أبي الطيب المتنبي وأبي فراس الحمداني وأبي نُوَاس وأبي العتاهية والبحتري وأبي تمام والشريف الرضي وأبي العلاء المعرَّي، وهذا ما جعل العصر العباسي من أعظم العصور التي مرّت على تاريخ الأدب، وقد حاول الشعراء في هذا الالتزام بالأغراض الشعرية الموروثة، فكتبوا في الرثاء والغزل والمديح والهجاء كمن سبقهم، وهذا المقال مخصّص للحديث عن الشاعر الشريف الرضي ونبذة عن حياتِهِ وأسلوبه الشعري وأهم قصائده.

نبذة عن الشريف الرضي

هو أبو الحسن، اسمُهُ الكامل محمد بن الحسين بن موسى، يُلقّب بالشريف الرضي وهو من مواليد عام 969م، وهو شاعر شيعي فقيه من بغداد، وُلِدَ فيها وتوفي فيها، تعلّم على يد الشيخ المفيد، وهو فقيه من فقهاء الشيعة القدماء، كتبَ الشعر وهو في سنٍّ مبكّرةٍ، فأبدع ونوّع في كتابة الشعر بكلِّ أغراضه القديمة المعروفة، كانَ جيّد الشعر بالمجمل، فقد امتازت كلُّ قصائده بحسن الصياغة وجودة السبك بالرغم من كثرة أشعارهِ، فقد قلّ ما يُشهد لشاعرٍ مُكثر بالجودة، وكان هذا للشريف، جمع الشريف الرضي مختارات ممّا قال الإمام علي -رضي الله عنه- من خطب وحكم ومواعظ وأشعار وغير ذلك، جمعها في كتاب أسماه "نهج البلاغة"، وهو كتاب من أعظم الكتب التي تركها الشريف للأدب، وقد حَوى الكتاب عددًا ليس بالقليل من الخطب والوصايا والآداب والأحكام الشرعية والأدبية والمواعظ، فقد ضم حوالي مئتين وثمانية وثلاثين خطبة، وتسعًا وسبعين رسالة، وأربعمئة وتسعًا وثمانين قولًا.

ويعدُّ نهج البلاغة من أهم الكتب عند الشيعة، فهو كتاب أساسي يدرِّسُهُ الشيعة لأبنائهم، ويرجع هذا الاهتمام بهذا الكتاب إلى كونِهِ يحتوي موضوعات مهمة كثيرة كالمعارف التي تتعلق بفكرة التوحيد، والنصائح والمواعظ الحياتية، فقد اهتم الشاعر بوضع أبلغ ما روي عن الإمام علي في هذا الكتاب، لذلك حقق الكتاب شهرة واسعة وانتشارًا كبيرًا، وقد توفّي الشريف الرضي في بغداد سنة 1015م تاركًا وراءه نتاجًا شعريًّا رفيعًا [١].

الخطاب الشعري عند الشريف الرضي

إنَّ شأن الشاعر الشريف الرضي في الخطاب الشعري لا يختلف كثيرًا عن باقي الشعراء بشكلٍ عامّ، فقد كان خطابُهُ الشعريّ موجّهًا وفقًا لانتمائه الديني، فقد اهتمّ الشريف الرضي بالمدائح التي كان يوجهها للإمام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وهذا يوافق مذهبه الشيعي الذي كان ينتمي إليه، ولكن هذا لم يمنعه من أن يكون أحد الشعراء المجيدين في الغزل، فقد اشتهر الشريف الرضي بشعر الغزل العذري، ومما قيل في هذا الباب:

رماني كالعدو يريد قتلي         فغالطني وقال أنا الحبيبُ

وأنكرني فعرفني إليه             لظى الأنفاس والنظر المريبُ

وقالوا لم أطعت وكيف أعصي        أميرًا من رعيتهِ القلوبُ

وجدير بالذكر عن الحديث عن خطاب الشاعر الشريف الشعريّ، أنّه كان يتبع الأسلوب اللغويّ الصافي، الذي يخلو من كلِّ الألفاظ النابية، فهو إذا هجا لم يستخدم الكلمات القبيحة أبدًا، وحتى في غزلِهِ لم يكن يستخدم الكلمات الماجنة، بل كانَ عذريًّا كشعراء الحجاز في العصر الإسلامي.

ويمكنُ القول في خلاصة البحث عن الأسلوب الشعري والخطاب الشعري عند الشاعر الشريف، إنّه كانَ شاعرًا مجيدًا، تناول كلَّ أغراض الشعر العربي تقريبًا فكتب في الغزل وفي الفخر والحماسة والهجاء واتبع عاطفته الدينية فكتبَ المدائح الدينية التي تتناسب مع انتمائه [٢].

قصائد الشريف الرضي

بعدَ ما ورد من حديث عن الشريف الرضي، لا بدَّ من المرور على بعض قصائد الشاعر للتعرف على نتاجِهِ الأدبيّ الذي تركَهُ للناس قبل وفاتِهِ في بغداد، وهذه بعض قصائده التي اشتهرت بين الناس [٣].

  • قال الشريف الرضي في قصيدته يا ظبية البان:

يا ظَبيَةَ البانِ تَرعى في خَمائِلِهِ        لِيَهنَكِ اليَومَ أَنَّ القَلبَ مَرعاكِ

الماءُ عِندَكِ مَبذولٌ لِشارِبِهِ               وَلَيسَ يُرويكِ إِلّا مَدمَعي الباكي

هَبَّت لَنا مِن رِياحِ الغَورِ رائِحَةٌ            بَعدَ الرُقادِ عَرَفناها بِرَيّاكِ

ثُمَّ اِنثَنَينا إِذا ما هَزَّنا طَرَبٌ               عَلى الرِحالِ تَعَلَّلنا بِذِكراكِ

سهم أصاب وراميه بذي سلمٍ            مَن بالعِرَاقِ، لَقد أبعَدْتِ مَرْمَاكِ

وَعدٌ لعَينَيكِ عِندِي ما وَفَيتِ بِهِ            يا قُرْبَ مَا كَذَبَتْ عَينيَّ عَينَاكِ

حكَتْ لِحَاظُكِ ما في الرّيمِ من مُلَحٍ        يوم اللقاء فكان الفضل للحاكي

كَأنّ طَرْفَكِ يَوْمَ الجِزْعِ يُخبرُنا            بما طوى عنك من أسماء قتلاك

أنتِ النّعيمُ لقَلبي وَالعَذابُ لَهُ            فَمَا أمَرّكِ في قَلْبي وَأحْلاكِ

عندي رسائل شوق لست أذكرها         لولا الرقيب لقد بلغتها فاكِ

سقى منى وليالي الخيف ما شربتْ      مِنَ الغَمَامِ وَحَيّاهَا وَحَيّاكِ

إذ يَلتَقي كُلُّ ذي دَينٍ وَماطِلَهُ              منا ويجتمع المشكو والشاكي

لمّا غَدا السّرْبُ يَعطُو بَينَ أرْحلِنَا          مَا كانَ فيهِ غَرِيمُ القَلبِ إلاّكِ

هامت بك العين لم تتبع سواك هوى            مَنْ عَلّمَ العَينَ أنّ القَلبَ يَهوَاكِ

حتّى دَنَا السّرْبُ، ما أحيَيتِ من كمَدٍ            قتلى هواك ولا فاديت أسراكِ

يا حبذا نفحةً مرَّتْ بفيك لنا             ونطفة غُمِسَتْ فيها ثناياكِ

وَحَبّذا وَقفَةٌ، وَالرّكْبُ مُغتَفِلٌ            عَلى ثَرًى وَخَدَتْ فيهِ مَطَاياكِ

لوْ كانَتِ اللِّمَةُ السّوْداءُ من عُدَدِي         يوم الغميمِ، لَمَا أفلتِّ أشراكي

  • وقال الشريف الرضي أيضًا:

أبكيك لو نقع الغليل بكائي           وَأقُولُ لَوْ ذَهَبَ المَقالُ بِدائي

وَأعُوذُ بالصّبْرِ الجَميلِ تَعَزّياً            لَوْ كَانَ بالصّبْرِ الجَميلِ عَزائي

طوراً تكاثرني الدموع وتارةً           آوي الى أكرومتي وحيائي

كم عبرة موهتها بأناملي            وسترتها متجملاً بردائي

أُبدي التجلد للعدو ولو درى         بتَمَلْمُلي لَقَدِ اشتَفَى أعدائي

ما كنت أذخر في فداك رغيبةً            لو كان يرجع ميت بفداءِ

لو كان يدفع ذا الحمام بقوةٍ               لتكدستْ عُصَبٌ وراءَ لوائي

قَوْمٌ إذا مَرِهُوا بِأغبابِ السُّرَى            كَحَلُوا العُيُونَ بإثمِدِ الظّلْمَاءِ

يَمشُونَ في حَلَقِ الدّرُوعِ كأنّهُمْ         صم الجلامِدِ في غدير الماءِ

ببروق أدراع ورعد صوارمٍ                   وغمامِ قسطلةٍ ووبلِ دماءِ

فَارَقْتُ فِيكِ تَماسُكي وَتَجَمّلي           ونسيت فيك تعززي وإبائي

وَصَنَعْتُ مَا ثَلَمَ الوَقَارَ صَنيعُهُ               مما عراني من جوى البرحاءِ

كم زفرة ضعفتْ فصارت أنَّة                تَمّمْتُهَا بِتَنَفّسِ الصُّعَداءِ

لَهفَانَ أنْزُو في حَبَائِلِ كُرْبَةٍ                مَلَكَتْ عَليّ جَلادَتي وَغَنَائي

  • وقال أيضًا:

خُطُوبٌ لا يُقَاوِمُهَا البَقَاءُ               وأحوال يدبُّ لها الضراء

ودهر لا يصحُّ به سقيمٌ               وَكَيْفَ يَصُحّ، وَالأيّامُ داءُ

وأملاك يرون القتل غنمًا              وفي الأموال لو قنعوا فداءُ

هم استولوا على النخباء منا       كما استولى على العود اللحاء

مقام لا يجاذبه رحيل                  وليل لا يجاوره ضياءُ

سَيَقطَعُكَ المُثَقَّفُ مَا تَمَنّى          ويعطيك المهند ما تشاءُ

بلونا ما تجيء به الليالي             فَلا صُبْحٌ يَدُومُ وَلا مَسَاءُ

وَأنْضَيْنَا المَدَى طَرَباً وَهَمّاً             فَمَا بَقِيَ النّعِيمُ وَلا الشّقَاءُ

إذا كَانَ الأسَى داءً مُقِيماً             فَفي حُسْنِ العَزَاءِ لَنَا شِفَاءُ

المراجع[+]

  1. نبذة حول: الشريف الرضي, ، "www.adab.com"، اطُّلِع عليه بتاريخ 05-11-2018، بتصرُّف
  2. محمد بن الحسين بن موسى, ، "www.marefa.org"، اطُّلِع عليه بتاريخ 05-11-2018، بتصرُّف
  3. العصر العباسي: الشريف الرضي, ، "www.adab.com"، اطُّلِع عليه بتاريخ 05-11-2018، بتصرُّف