الخطابة في العصر الجاهلي

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٦:٥٢ ، ٦ أكتوبر ٢٠١٩
الخطابة في العصر الجاهلي

فن الخطابة

تعدّ الخطابة فنًّا من الفنون النثريّة التي اشتهرت في الأدب العربي، وهي حديث نثريّ شفهي يهدف إلى إثارة مشاعر النّاس وإشعال عواطفهم رغبةً في الوصول إلى مرادهم، ومن المعروف أنّه كلما كان الإفصاح قويًّا وعذبًا كان وقعه في القلوب أشدّ وأعمق[١]، والخطابة هي قوّة تنطوي على إقناع الناس ما أمكن من خلال وقوف المتكلم أمام جمهور السامعين، يُحدثهم في موضوع معيّن، من غير توقّف أو تلعثم في الكلام، ولا يظهر عليه القلق، وعلى الخطيب أن يكون في هذه اللحظة مسيطرًا على عقول السامعين وقلوبهم، مستخدمًا ألوانًا شتى من الكلام[٢]، ومن خلال هذا المقال سيتم الحديث عن الخطابة في العصر الجاهلي.

الخطابة في العصر الجاهلي

لقد كانت حياة العرب قبل الإسلام حياة همجيّة، تنتشر فيها أعمال النهب والسلب إلى جانب أعمال الإغارة على القبائل المجاورة والعصبيّات، وممّا يدلّ على ذلك قول جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة في ذلك الوقت، عند هجرة المسلمين إليه؛ هربًا من بطش قريش: "أيّها الملك، كنا قومًا على الشِّرْك؛ نعبد الأوثان، ونأكل الميتة، ونُسيء الجوار، ونستحلُّ المحارم -بعضُنا من بعض- في سَفْك الدماء وغيرها، لا نحلُّ شيئًا ولا نحرِّمه".[٣]

وقد بلغت الخطابة في العصر الجاهلي شأنَها العظيم، حيث كانوا يستخدمونَها في مناسباتٍ شتّى، كالمنافرات والمفاخرات إلى جانب النصح والإرشاد والحثّ على قتال الأعداء، بالإضافة إلى الدعوة إلى السِّلم وحقن الدماء، وفي العديد من المناسبات الاجتماعية الخاصّة بهم كالزواج، إلى جانب استخدامهم الخطابة في الأسواق والوفادة على الملوك، وتفاخرهم بالأحساب والأنساب؛ إذ كان لكلّ قبيلة شاعر يحكي مآثرهم، ويهجو الأعداء ويمدح الخلفاء، بالإضافة إلى ذكره انتصارهم في حروبهم على أعدائهم وكيف نكّلوا بهم؛ فقد تنوّعت الخطب التي قيلت في العصر الجاهلي فوُجد منها الخطب الدينيّة والحماسيّة بالإضافة إلى خطب الوفادة والوصايا والمناظرات والمنافرات.[٤]

وقد احتلّ الخطيب منزلة في الجاهلية فاقت منزلة الشاعر، يقول الجاحظ : "كان الشاعر أرفع قدرًا من الخطيب، وهم إليه أحوج لردّه مآثرهم عليهم، وتذكيرهم بأيّامهم فلما كثر الشعراء وكثر الشعر صار الخطيب أعظم قدرًا من الشاعر"، لذلك بلغت الخطابة في العصر الجاهلي ما بلغته من شهرة واسعة.[٥]

الصنعة في الخطابة الجاهلية

تميّز عربُ الجاهليّة بحبّهم للبيان والطّلاقة والبلاغة، وممّا دفعهم إلى ذلك احتفالهم بخطابتهم، من حيث مخارج الكَلِم والصّقل وتجديد الألفاظ، وهذا ما دفَعَهم إلى المبالغة في الجهر بالأصوات وقوتها، ومما لا شكّ فيه أنّنا نؤمن بأنّ أكثر ما روي من الخطابة في العصر الجاهلي وجميع ما وصلنا من ذلك العصر، لا يصحّ الاطمئنان إليه من الناحية التاريخيّة، وذلك لطول الوقت والمسافة بين روايته وكتابته، وإن كانت هذه الأسباب، إلّا أنّ ذلك لا يقف في طريقنا لتسجيل بعض الظواهر والخصائص التي تميّز تلك الخطابة الجاهلية، بالإضافة إلى أنّ من يرجع إلى ما وصلنا منها في كتب الأدب والتاريخ يلاحظ أنّ أغلب ما روي من خطب قد روي مسجوعًا، ويؤكد بذلك الجاحظ أن النبيّ -صلى الله عليه وسلّم- هو من روى خطبة قس بن ساعدة الإيادي، وكان ذلك في سوق عكاظ، ويقول: "إنه إسناد تعجز عنه الأماني، وتنقطع دونه الآمال".[٦]

ومع ذلك لم يستطع رواية إلّا بعض الأجزاء منها، فيقول: "أيها الناس اسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آتٍ آتٍ، آيات محكمات، مطر ونبات، وآباء وأمهات، وذاهب وآت، ضوء وظلام، وبر وآثام، لباس ومركب، ومطعم ومشرب، ونجوم تمور، وبحور لا تغور، وسقف مرفوع، ومهاد موضوع، وليل داج، وسمات ذات أبراج، مالي أرى الناس يموتون ولا يرجعون، أرضوا فأقاموا، أم حبسوا فناموا".[٧]

والحق يقال بأنّ خطباء العصر الجاهلي كان لهم دور كبير في النهضة بخطابتهم، ولذلك كان الرسول -صلى الله عليه وسلّم- يستمع إلى بعض منهم أثناء خطبته، فيقول: "إن من البيان لسحر"؛ فلم يكن هذا البيان الذي كان له جلّ الأثر في إثارة النّاس ومشاعرهم شيئًا خاصًّا بهذا الخطيب فحسب، بل كان يجمع بين الخطباء جميعهم؛ إذ استخدم جميعهم التجويد والتحبير لاستمالة الألباب؛ ولهذه الأسباب بلغت الخطابة في العصر الجاهلي شأنها العظيم.[٦]

خصائص الخطابة في الجاهلية

إنّ من أهمّ الخصائص الفنيّة التي تختصّ بها الخطابة في العصر الجاهلي شدّة الأسر، إضافة إلى فخامة اللفظ والتراوح بين الطول والقصر، إلى جانب إحكام الصنعة والحفاظ على أصالة اللغة، غير أنّه يوجد بعض التشابه في موضوعات الخطب عند العرب في الجاهلية وفي الإسلام منذ بزوغ فجر الدعوة الإسلاميّة وإلى هذا اليوم؛ فيوجد موضوعات للخطابة قامت بالجمع بين العديد من القيم التعبيريّة والقيم الإنسانية بالإضافة إلى الإرشاد مثل:[٨]

  • خُطب الوفود.
  • خطب والولاية.
  • خطب الحرب.
  • خطب الزواج.
  • خطب المناظَرة.
  • الخطب الاجتماعية.

أشهر الخطباء في الجاهلية

برز في العصر الجاهلي -الذي يعدّ من أهمَ العصور التي زخرت بالأدب والفنون- العديدُ من الخطباء الذين برعوا في استخدام فن الخطابة بشتى أنواعه، وقد سابق كل منهم الآخر في إظهار قدرته وبراعته في الخطابة، من خلال استمالة النّاس إليه بقدرته وأسلوبه، ومن هؤلاء ما يأتي:[٨]

  • قس بن ساعدة الإيادي.
  • الربيع بن ضبيع الفزاري.
  • ذو الإصبع العدواني.
  • الحارث بن كعب المذحجي.
  • دويد بن زيد.
  • قيس بن زهير العبسي.
  • أبو الطمحان القيني.
  • الأوس بن حارثة.
  • سحبان بن وائل.
  • زهير بن جناب بن هبل الحميري.
  • عمرو بن كلثوم.
  • مرثد الخير الحميري.
  • أكثم بن صيفي التميمي.
  • نعيم بن ثعلبة الكناني.
  • عطارد بن حاجب.
  • قيس بن عاصم المنقرس.

نموذج لخطبة قس بن ساعدة الإيادي الشهيرة

إنّ من أشهر الخطب التي قيلت في العصر الجاهلي خطبة قس بن ساعدة الإياديّ في سوق عكاظ؛ فلم يكن أشهر خطباء الجاهليّة فحسب، بل كان خطيب العرب قاطبة، وكان مَضرَبَ أمثال العرب في البلاغة إذا ما عبّروا عن خطيب أو شاعر بليغ، فيقولون: "أبلغ من قسّ"، وهذه الخطبة قالها "قس" في سوق عكاظ قبل ظهور الإسلام، وتعدّ من أشهر ما قيل في الخطابة في العصر الجاهلي، وممّا قاله فيها:

"يا أيُّها الناس اسمعوا وعوا وإذا وعيتم فانتفعوا، إنه من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت مطر ونبات وأرزاق وأقوات وآباء وأمهات، وأحياء وأموات، جمع وأشتات وآيات وأرض ذات رتاج، وبحار ذات أمواج، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا؟ أم تركوا هناك فناموا؟ أقسم قسمًا لا حانث فيه ولا آثمًا، إن لله دينًا هو أحبّ إليه من دينكم الذي أنتم عليه، ونبيًا قد حان حينه وأظلكم أوانه، فطوبى لمن آمن به فهداه، وويل لمن خالفه وعصاه، تبًّا لأرباب الغفلة من الأمم الخالية، والقرون الماضية، يا معشر إياد أين الآباء والأجداد؟ وأين ثمود وعاد؟ وأين الفراعنة الشداد؟ أين من بنى وشيد وزخرف ونجد وغره المال والولد؟ أين من بغى وطغى وجمع فأوعى وقال أنا ربكم الأعلى؟ ألم يكونوا أكثر منكم أموالًا؟ وأطول منكم آجالًا؟ وأبعد منكم آمالًا؟ طحنهم الثرى بكلكله ومزقهم بتطاوله؛ فتلك عظامهم بالية وبيوتهم خاوية عمرتها الذئاب العاوية، كلا بل هو الله الواحد المعبود ليس والد ولا مولود".[٩]

المراجع[+]

  1. "الخطابة"، www.almerja.com، اطّلع عليه بتاريخ 29-09-2019. بتصرّف.
  2. "الخطابة وصفات الخطيب"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 28-09-2019. بتصرّف.
  3. "الخطابة في العصر الجاهلي"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 30-9-2019. بتصرّف.
  4. شوقي ضيف، الفن ومذاهبه في النثر العربي (الطبعة الثالثة عشرة)، القاهرة: دار المعارف، صفحة 33-27. بتصرّف.
  5. الجاحظ (1418هـ)، البيان والتبيين (الطبعة السابعة)، القاهرة: مكتبة الخانجي، صفحة 83، جزء 4.
  6. ^ أ ب "الصنعة في الخطابة الجاهلية"، www.almerja.com، اطّلع عليه بتاريخ 29-9-2019. بتصرّف.
  7. الجاحظ (1418هـ)، البيان والتبيين (الطبعة السابعة)، القاهرة: مكتبة الخانجي، صفحة 308، جزء 1.
  8. ^ أ ب "الخطابة في العصر الجاهلي"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 30-9-2019. بتصرّف.
  9. "خطبة قس بن ساعدة الشهيرة في سوق عكاظ"، www.adab.com، اطّلع عليه بتاريخ 30-09-2019.بتصرّف.