الحياة العقلية للعرب في العصر الجاهلي

بواسطة: - آخر تحديث: ١٢:٤٥ ، ٢٤ سبتمبر ٢٠١٩
الحياة العقلية للعرب في العصر الجاهلي

الجاهلية

الجاهلية عصرٌ قديمٌ توارى، ولقد كان امتدّ أزمنةً طويلةً، فغطى فتراتٍ من التاريخ قبل الميلاد وأخرى بعده، ولعل أقرب ما يمكن تصوره من لفظ الجاهلية حين نطقه أو سماعه، الجهل، فيتبادر إلى الذهن كتلةً مصمتةً من الجهل، وهذا بعيدٌ كل البعد عن واقع العرب، فهناك في الجنوب من شبه الجزيرة العربية ارتقت الحضارة إيما ارتقاء قياسًا بوقتها وما حولها، وهذا ما لا يمكن أن يكون لجاهلٍ أبدًا، ولعل المراد بالجاهلية "الطيش والسفه، أو الجهل الذي هو ضد الحُلم" وإذا ارتبطت الجاهلية بما كان من وضعها بعد الإسلام، فإنه من الممكن القول بأنها جهل العرب في تلك الفترة عن الدين والإسلام، وهنا حديثٌ حول الحياة العقلية للعرب في العصر الجاهلي.[١]

أقسام الجاهلية

يرى الباحثون في الأدب العربي الجاهلي، أن الجاهلية تمتد إلى حوالي مئةٍ وخمسين إلى مئتي سنةٍ قبل ظهور الإسلام، وفي ذلك يقول الجاحظ: "وأما الشعر فحديث الميلاد صغير السن، وأول من نهج سبيله وسلك الطريق إليه امرؤ القيس بن حجر ومهلهل بن ربيعة" ثم يتابع الجاحظ الحديث إلى أن يقول: "فإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمئتي عام." وعلى ذلك فإن الجاهلية تنقسم إلى قسمين اثنين، يسهم معرفتهما في فهم الحياة العقلية للعرب في العصر الجاهلي، وهما كما يأتي:[١]:

  • الجاهلية البعيدة: وهذه التي عاشت بها ما يعرف بالعرب البائدة، وعرب الجنوب أصحاب الحضارة، ولم يرو من أخبار الجاهلية البعيدة إلا القليل من خلال مكتشفات علم الآثار.
  • الجاهلية القريبة: وهي ما جاء ذكرها بدايةً ثم من حديث الجاحظ وامتدادات الزمن الجاهلي التي يدرسها الباحثون في الأدب العربي الجاهلي، وهذه الجاهلية هي مدار بحث هذا المقال.

الحياة العقلية للعرب في العصر الجاهلي

عند دراسة الحياة العقلية للعرب في العصر الجاهلي، يجب بدايةً معرفة أن العقلية طابعٌ تتمايز به أمةٌ عن غيرها من الأمم، وهذه العقلية يمكن إدراكها من خلال المعاملات، إن كانت المعاملات بين الناس داخل هذه الأمة، أو من خلال التعاملات التي تقوم بين تلك الأمة وغيرها من الأمم الأخرى. [٢]
إذا دُرست الحياة العقلية للعرب في العصر الجاهلي، وجد الباحث أو الدارس أن للعرب ملامحٌ وسماتٌ تميزهم عمن سواهم، وهم أيضًا أصحاب أخلاق وصفاتٍ عرفها العالم عنهم، وهذا المقال في طور تقدمه يخصص حديثه حول الحياة العقلية للعرب في العصر الجاهلي، أي قبل ظهور الإسلام، وهو الذي عمل على دمج العرب وزيادة خلطتهم في الأمم المختلفة وبصورةٍ كبيرةٍ.[٢]
كما ويمكن القول إن الحياة العقلية للعرب في العصر الجاهلي كانت تتسم بسماتٍ منها، إن العرب لم يكونوا قادرين على تعليل الأمور والأحداث، فلا يملكون أن يربطوا السبب بالمسبب بصورةٍ منطقيةٍ أو منسجمة، وهذا ما عمل على انتشار الكهنة في قبائل العرب، وحتى هذا قد لا يصح تعميمه أبدًا، فموضوع الحياة العقلية للعرب في العصر الجاهلي، يشتمل آراءً عدةً وقراءات متفاوتة.[٣]

قراءات في العقلية الجاهلية

إن دراسة الحياة العقلية للعرب في العصر الجاهلي دراسةٌ لا يمكن أن توفى حقها في سطورٍ قليلة، وهي التي أخذت حيزًا مهمًا وكبيرًا من الدراسات، نظرًا لأهميتها وما يقدمه فهمها من سبيلٍ لدراسة الحضارة وأسباب قيامها وتطورها، أو الانحدار وأسبابه، وفيما يأتي بعض الرؤى والآراء التي تناولت الحياة العقلية للعرب في العصر الجاهلي[٤]:

  • التوراة: وتصف التوراة العرب بأنهم متنابذون، يكثر غزو بعضهم بعضًا، فتقول: "يده على الكل، ويد الكل عليه" وهذا الحديث مخصصٌ عن الأعراب من أهل البادية.
  • كتب اليونانيون واللاتينيون: وتجمع أغلب هذه الكتب على أن العرب يعشقون الحرية، إذ الأرض فراشهم والسماء غطاءهم، كما تربط إقامتهم بالصحاري بأنها حيلةٌ لمنع الغزو الخارجي لهم، وهم -العرب- يقاومون أي قوةٍ تهدف للنيل منهم وحريتهم.
  • عند ابن خلدون: في مقدمة تاريخه الشهيرة يتناول ابن خلدون هذا الموضوع فيقول عن العرب وعقليتهم: "العربي متوحشٌ، نهّابٌ سلّاب، إذا أخضع مملكةً أسرع إليها الخراب، يصعب انقياده لرئيس، ولا يجيد صناعةً، ولا يحسن عامًا ولا سيدي إلى ذلك ميلًا، وهو سليم الطباع، مستعدٌ للخير شجاع."

سمات العقلية العربية في الجاهلية

يمكن أن تكون السمات السابق ذكرها -إلى جانب كثيرٍ من السمات والصفات والآراء التي لا يتسع المقام لذكرها هنا- سماتٌ حقيقيةٌ صحيحةٌ، ولكنها في مجملها عرضت هذه السمات والصفات في موضعٍ من المقارنة، ثم حكمت على العقلية العربية الجاهلية هنا بناءًا على ما خلصت له تلك المقارنات، ولا بأس في المقارنة في طبيعة الحال، لكن من المهم أن تكون تلك المقارنات بنيت بناءًا منهجيًا صحيحًا، فلا منطق في مقارنة الحياة العقلية للعرب في العصر الجاهلي، مع نظيرتها اليونانية في أوج حضارتها مثلًا، فمن المهم عند المقارنة أن تراعى الأطوار التي تمر بها كل أمةٍ من الأمم، عمومًا للحياة العقلية للعرب في العصر الجاهلي سماتٌ عدةٌ وفيما يأتي ذكرٌ لأهمها:[٥]

  • الجاهلي عصبي المزاج: فالعربي الجاهلي سريع الغضب، وربما ثار لأتفه الأسباب، كما إن المساس بكرامته وحرمته، إن كانت الشخصية أو تلك التي تمس القبيلة بمجملها، سببًا لزيادة غضبه وتهويل هياجه.
  • الجاهلي ذكي: ولعل أهم ما يبرز ذكاء العربي الجاهلي هو اللغة، فمن خلال لغته العربية السليمة المرنة، يمكن ملاحظة بعد النظر وسرعة البديهة، والمشكلة في ذكاء العربي الجاهلي هذا، هو أن ذكاءه ليس خلّاقًا مبتكرًا.
  • الجاهلي محدود الخيال: وذلك أن خيال العربي الجاهلي لم يصور له أسلوب حياةٍ وعيشٍ أفضل مما هو فيه، لكنه في حدود الإطار الذي تحدد فيه خياله، مبدعٌ وخلّاق وفي الشعر الجاهلي تجلياتٌ عظيمةٌ لذلك.
  • الحرية: في الحياة العقلية للعرب في العصر الجاهلي برزت الحرية سمةً لا يحدها حد، ولا يؤطرها إطار، لكنها كانت الحرية الشخصية لا الاجتماعية، وهذا ما عزز في العربي الجاهلي تمرده على الحكام وعدم رضوخه لهم، وفي هذا مسببٌ كبيرٌ للحروب فينا بينهم.

المراجع[+]

  1. ^ أ ب ديزيرة سقال (1995)، العرب في العصر الجاهلي (الطبعة الأولى)، بيروت- لبنان: ار الصداقة العربية ، صفحة 70،68،69. بتصرّف.
  2. ^ أ ب جواد علي (1993)، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام (الطبعة الثانية)، بغداد- العراق: جامعة بغداد، صفحة 261، جزء 1. بتصرّف.
  3. أحمد أمين (2012)، فجر الإسلام، القاهرة- مصر: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، صفحة 50،51. بتصرّف.
  4. جواد العلي (1993)، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام (الطبعة الثانية)، بغداد- العراق: جامعة بغداد، صفحة 261،265، جزء 1. بتصرّف.
  5. أحمد أمن (2012)، فجر الإسلام، القاهرة- مصر: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، صفحة 46،47. بتصرّف.