الحضارة العربية قبل الإسلام

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٥:١٧ ، ٢٢ سبتمبر ٢٠١٩
الحضارة العربية قبل الإسلام

أصول العرب

ينقسمُ العرب من حيث النسب والأصول إلى قسمَيْن، العرب البائدة، وهي التي سكنت الجزيرة العربية وانقرض ذكرها قبل البعثة، مثل عاد وثمود والعماليق وجديس وعبيل وجُرهُم، وقد أكّدت بعض الحقائق الجغرافية والتاريخية وجود هؤلاء الأقوام، وتمّ ذكر بعض الأقوام منهم في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ}[١]، {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ}[٢]، والعرب الباقية وهي التي تنقسم إلى قسمين: العاربة "القحطانيون" وهم المنسوبون إلى يعرب بن قحطان وينتهي نسبهم إلى سام بن نوح، والمستعربة "العدنانيون" وهم القبائل المنتسبة إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان، ويرجع نسبهم إلى النبي إسماعيل -عليه السلام-، ومنهم النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتاليًا حديثٌ حول الحضارة العربية قبل الإسلام.[٣]

الحضارة العربية قبل الإسلام

لعلّ عدم معرفة البعض بالعلوم التي عرفها العرب القدماء، عائدٌ إلى عدم اهتمام أحفادهم بآثارهم وأفكارهم، فاندثرت مع الزمن، وبالرغم من عدم وجود مخطوطات علمية ترجع للعصور الجاهلية إلا أن هنالك ما يدل على أنه كانت لديهم علوم متوارثة في مجالات مختلفة، ففي مجال الفلك الذي كان الجاهليون يدعونه "علم الأنوار" عرفوا مواقع النجوم واستدلوا بها للاهتداء إلى مسالكهم في البر والبحر، ولهم معرفة في أوقات ظهور الكواكب حيث كانوا يعبدون بعض الكواكب لا سيما "الزهرة" التي تظهر في أوقات محددة والتي مثلوها بصنم هو "العزى"، أمّا في مجال الرياضيات فيذكر أن "فيثاغورث" كان قد زار ضمن رحلته بلاد العرب ليتعلم من حكمة أهلها، فقد كان العرب أمة تجارية ولا شك أنهم استخدموا أنماطًا كثيرة من علوم الرياضيات ومنها الجبر، يقول الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني:[٤]

واحكمْ كحكمِ فتاةِ الحيّ إذْ نَظَرَتْ

إلى حمام سراع واردِ الثّمد

قالت: ألا ليتَما هذا الحمامُ لنا

إلى حمامتِنا مع نصفِه فقد

فحسبوه فألفوه كما ذكرت

تسعًا وتسعين لم تنقص ولم تزد

فكملت مائة فيها حمامتها

وأسرعت حسبة في ذلك العدد

أمّا في مجال الطب، فقد برع في العصر الجاهلي بعض الأطباء منهم: ابن أبي رمثة التميمي والحارث بن كلدة النضر بن الحارث وضماد والشفاء بنت عمرو وابن حزيم، وفي مجال البيطرة العاص بن وائل، ويذكر التلمود أن اليهود كانوا يطلبون خبرة العرب في مجال الطب، وفي مجال هندسة المياه يٌعرف أنهم قد ابتكروا نظام القنوات المائية أو ما تسمى بالأفلاج نحو 1000 ق.م، وأقاموا السدود منذ وقت مبكر وأشهر تلك السدود هو سد مأرب الذي يغذي بشبكة قنواته حوالي 72 كم مربع، ولا يخفى عند ذكر الحضارة العربية قبل الإسلام مظهر الخزنة والدير والسيق والمحكمة، في مدينة البتراء، في محافظة معان جنوبيّ الأردن، وقد حفرت هذه المدينة في الصخر.[٤]

أحوال العرب قبل الإسلام

كان العرب يدينون بدين الحنيفية على دين إبراهيم -عليه السلام-، ولكن لما طال الزمن، وانتشر الجهل، وأغرى الشيطان العرب، أشركوا مع الله تعالى عبادة الأصنام، بدعوى أنها تقربهم إلى الله زلفى، ومن هذه الأصنام ما ذكر في القرآن: اللات، والعزى، ومناة، وقد ذكرها الله عز ‏وجل في سورة النجم بقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾[٥]، ومناة هو أقدمها كلها، وكان العرب يعظمونه ‏ويذبحون حوله ويهدون له، فكانوا في حجهم يؤدون المناسك كلها إلا أنهم لم ‏يكونوا يحلقون رؤوسهم إلا عند الصنم المسمى بمناة، وكانوا يقومون عنده ولا يرون ‏لحجهم صحة وتمامًا إلا بذلك، وأما اللات فقد قيل عنه بأنه كان رجلًا صالحًا يأتي بأنواع الطعام، وكان يلتُّ ‏بتشديد التاء السويق للحجيج في الجاهلية، فلما مات ذلك الرجل عبدوه من دون ‏الله.[٦]

أمّا العزى فكانت شجرة يعظمها العرب في الجاهلية، وكانوا قد بنوا لها بيتًا ‏وصاروا يزورونها ويهدون لها ويتبركون بها ويعظمونها، والعرب في ‏الجاهلية كانت لهم نذور ينذرونها لله تعالى، كما أنهم كانوا ينذرون للأوثان ‏التي كانوا يعبدونها يشركون عبادتها مع الله، وكانوا يعتقدون أن هذه الأصنام في مقدورها أن تنال ممن يريد النيل منها أو يقصر ‏في حقها، دليل ذلك أنه كان لهم صنم يقال له: "الفِلس"، وكانوا يفعلون ‏عنده ما يفعله العرب مع بقية الأوثان، وكان ذاك الصنم إذا دخل في حوزته أيُّ ‏شيء من الأنعام أو المتاع قصدًا أو بغير قصد، يترك ولا يسترد حتى لا يصبَّ ‏لعناته على المجترئين عليه.[٦]

أخلاق العرب قبل الإسلام

مع أنّ الحضارة العربية قبل الإسلام قد أثرت في العرب القدماء، إلا أنه بعد تردي حال العرب، وطول مدة الضياع والتيه، الذي غرقوا فيه، تدهورت حالتهم مع مرور الوقت، وانتشرت بينهم أخلاق ذميمة، تذكر لاحقًا، وبالرّغم من ذلك، كانت لهم عدة خصائل حميدة، تحلوا بها، ولم تنسهم جاهليتهم تلك الأخلاق المحمودة، ومن الأخلاق الذميمة ما يأتي:[٧]

  • شرب الخمر ولعب الميسر: لقد كان العرب يشربون الخمر ويتخذون لها ساقيًا، قال تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[٨].
  • افتخار العرب بولاية المسجد الحرام: وهي من خصال الجاهلية الذميمة، افتخارهم بولاية المسجد الحرام، وتكبرهم بذلك على الناس، قال تعالى في ذلك: {مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ}[٩].
  • ازدراء الفقراء والضعفاء: لقد كان العرب يزدرون الفقراء والضعفاء، قال تعالى في ذلك: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاَءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ}[١٠].
  • وأد البنات: كانوا يئدون البنات خشية لحوق العار بهن عند كبرهن إذا سلكن طريق الانحراف والعُهر، أو خشية الفقر والفاقة، أو خشية عيب خلقي يلازمهن، قال تعالى: {وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ}[١١]، وقال: {وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ}[١٢].

وكانت تلك أهم الأخلاق الذميمة التي اتصف بها العرب قبل بعثة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، ولاحقًا تذكر بعض الصفات المحمودة التي اتصف فيها العرب، وبعضها أقرها الإسلام، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"[١٣]، وكان مما حُمد من أخلاق العرب اتصافهم بالنخوة والشهامة، ونصرتهم للقريب، وكانت خصلة الكرم تفوق جميع الخصال، ولذلك تاهوا عُجْبًا بهذه المكرمة، وافتخروا بها على سائر الأمم، وقد بعثتها فيهم حياة الصحراء القاسية، وما فيها من جدب، وأشهر كرماء العرب ثلاثة نفر: حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، وهرم بن سنان المـُرِّي، وكعب بن أمامة الإيادي، ولكن ضُرب المثل بحاتم وحده، وذاعت شهرته حتى هذا اليوم، لذا يقال: حاتمي الجود، ويقال: أكرم من حاتم![١٤]، ومن خصالهم، الحياء وعدم هتك ستر الجيران، وأشهر ما قيل في ذلك، قول عنترة بن شدّاد الشهير:[١٥]

وأَغُضُّ طَرْفِيَ ما بَدَتْ لي جارَتي

حتـى يُـوَارِيَ جــارَتـي مَــأْوَاها

أحوال العرب بعد البعثة

أتى الإسلام فغيّر كثيرًا من الأمور التي سار عليها الناس في الجاهلية، فقد ذكرت سابقًا بعض النقائص التي اتصفوا بها، وستذكر الآن جملة من الأحاديث النبوية الشريفة، التي نهت عن بعض الذمائم، وأوصت ببعض المحامد، وغيرت بعضًا من ممظاهر الحضارة العربية قبل الإسلام:

  • عَنِ ابن عمر -رضي الله عنهما-، قَالَ: "خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، أَلَا وَإِنَّ الْخَمْرَ نَزَلَ تَحْرِيمُهَا يَوْمَ نَزَلَ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ مِنَ الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالْعَسَلِ".[١٦]
  • عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-: "بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَن، فَقُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللهِ، أَفْتِنَا فِي شَرَابَيْنِ كُنَّا نَصْنَعُهُمَا بِالْيَمَنِ الْبِتْعُ، وَهُوَ مِنَ الْعَسَلِ، يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ، وَالْمِزْرُ وَهُوَ مِنَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ" فَقَالَ: "أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ أَسْكَرَ عَنِ الصَّلاةِ"".[١٧]
  • عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب النَّاس يوم فتح مكة، فقال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ وَتَعَاظُمَهَا بِآبَائِهَا، فَالنَّاسُ رَجُلاَنِ: بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلَى اللهِ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلَى اللهِ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَخَلَقَ اللهُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، قَالَ اللهُ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[١٨]،[١٩].
  • عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أنه قال: "جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تبايعه على الإسلام، فقال: "أُبَايِعُكِ عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكِي بِاللهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقِي وَلاَ تَزْنِي، وَلاَ تَقْتُلِي وَلَدَكِ، وَلاَ تَأْتِي بِبُهْتَانٍ تَفْتَرِينَهُ بَيْنَ يَدَيْكِ وَرِجْلَيْكِ، وَلاَ تَنُوحِي، وَلاَ تَبَرَّجِي تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى".[٢٠]

المراجع[+]

  1. سورة الفجر، آية: 6.
  2. سورة الشعراء، آية: 141.
  3. "تقسيم العرب إلى عاربة ومستعربة "، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 09-09-2019. بتصرّف.
  4. ^ أ ب "العرب قبل الإسلام"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 09-09-2019. بتصرّف.
  5. سورة النجم، آية: 19، 20.
  6. ^ أ ب "حال العرب قبل الإسلام ‏"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 09-09-2019. بتصرّف.
  7. "أخلاق العرب قبل الإسلام "، www.islamway.net، اطّلع عليه بتاريخ 09-09-2019. بتصرّف.
  8. سورة المائدة، آية: 90.
  9. سورة المؤمنون، آية: 67.
  10. سورة الأنعام، آية: 53.
  11. سورة التكوير، آية: 8، 9.
  12. سورة النحل، آية: 98، 99.
  13. رواه الإمام مالك بن أنس، في الموطأ، عن يحيى بن يحيى، الصفحة أو الرقم: 2633.
  14. "صفات تفرد بها العرب وأقرها الإسلام"، www.islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 09-09-2019. بتصرّف.
  15. "فضل الإحسان إلى الجار"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 09-09-2019.
  16. رواه الإمام البخاري، في كتاب التفسير، عن ابن عمر، الصفحة أو الرقم: 4343.
  17. رواه الإمام مسلم، في تفسير مسلم، عن أبي موسى الأشعري، الصفحة أو الرقم: 2001.
  18. سورة الحجرات، آية: 13.
  19. رواه أبو داوود، في كتاب الأدب، عن ابن عمر، الصفحة أو الرقم: 5116 .
  20. رواه أحمد بن حنبل، في المسند، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، الصفحة أو الرقم: 6850 .