الإعجاز القرآني في التشريع الإسلامي

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:٤٣ ، ١٤ يوليو ٢٠١٩
الإعجاز القرآني في التشريع الإسلامي

الإعجاز التشريعي

عرفت البشرية على مر القرون مذاهب ونظريات مختلفة، ونُظم وتشريعات استهدفت سعادة الفرد والجماعة، ولكن هذه القوانين التي صنعها البشر لم تبلغ من الروعة والإتقان والإجلال مبلغ القراَن في التشريع ونُظُمه، جاء القراَن ليبني عقيدة في القُلوب تؤثر على السلوك الإنساني ومشاعره ووجدانه، وترسُم في القلب والعقل تربية إيمانية عميقة تقوم على عقيدة التوحيد، فأساس التشريع الإسلامي العقيدة التي يُربي عليها القراَن فتُترجم إلى سُلوك عملي، هذا المقال يتناول الإعجاز القرآني في التشريع الإسلامي، والتفريق بين التفسير العلمي للقراَن والإعجاز العلمي، ويُعرف بالقراَن المعجز ويوضح التشريع القرآني.[١]

القراَن المعجزة

القراَن الكريم كتاب الله -عز وجل- المُعجِز الذي تحدى به الإنس والجن من الأولين والاَخرين على أن يأتوا بمثله فجميعهم عجز عن ذلك، وهو معجزة للنبي محمد -عليه الصلاة والسلام- تُثبت نبوته ورسالته، وقد كان كل نبي يُرسله الله تعالى إلى قومه يؤيده بمُعجزه أو أكثر من المُعجزات، وعلى سبيل المثال صالح -عليه السلام- أتاه الله الناقة، وموسى -عليه السلام- أعطاه رب العالمين معجزة العصا، ولعيسى -عليه السلام- اَيات منها إحياء الموتى بإذن الله وإبراءُ الأكمة، ونبوة أشرف الخلق بُنيت على هذه المعجزة والتي هي عامة عمت الثقلين وبقيت بقاء العصر، ولُزُوم الحجة به باقِ من أول ورودها إلى يوم القيامة.[١]

التفريق بين التفسير العلمي للقرآن والإعجاز العلمي

المصحف الشريف لا يُمكن أن يتعارض مع حقيقة علمية ثابتة، بخلاف الاكتشافات العلمية التي تُعد في طور النظريات القابلة للصواب والخطأ، والتطوير والتغيير، ولا يلزم أن يكون بالقراَن دلالة على فروع وتفصيلات العلوم الحديثة، لأن الغالب أن الكتاب الكريم يحتوي على دلالات عامة وكلية، والبحث العلمي لا يصح وصفه بأنه مخالف للشرع لمجرد أنه ليس عليه دليل من الكتاب أو السنة، بخلاف ما إذا أدى إلى نتيجة تُخالف ما ثبت في الشرع الإسلامي.[٢]

قال بعض العلماء أن التفصيل في الأشياء يكون في خلقها ونظامها وعلم الله بها وإعلامه بها، والتفصيل الذي في علم الله تعالى وفي خلقه عام لكل شيئ وهو مقتضى العموم، وأما في فصل الله للناس من الأحكام فذلك بعض الأشياء، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}،[٣] وذلك بالتبليغ على ألسنة الرُسل، وبما خلق في الناس من إدراك العقول.[٢]

التفسير العلمي هو مثار البحث والمناقشة، أما الإعجاز العلمي فهي قضية مسلمة لا نِزاع أو نِقاش فيها، أقر المؤيدون للتفسير العلمي والمعارضين له أن القراَن الكريم لم ولن يُصادم حقيقة علمية، وعرض القراَن الكريم الكثير من مظاهر الكون كخلق السموات والأرض والإنسان، وتحدث عن نزول المطر وجريان الشمس والقمر والنجوم وأطوار الجنين، بالإضافة للنباتات والبِحار وعُلوم أخرى كثيرة، والعلم لم يُصادم جزئية من جزئيات القراَن الذي نزل على النبي محمد -عليه الصلاة والسلام- قبل أربعة عشر قرنًا، وهذا بحد ذاته يُعد إعجازًا علميًا للقراَن حتى لو لم يتم الربط بين الاَية والاكتشاف العلمي الحديث.[٢]

الإعجاز القرآني في التشريع الإسلامي

جاء القراَن الكريم بتشريعات لإصلاح الفرد والمجتمع، ودفع المفاسد عنهم، وإنقاذهم من أمور ضارة بالدنيا والاَخرة، وأُعتبر الكتاب الكريم منهج ودستور لحياة خالية من الشوائب، وتحدث القراَن عن أحكام التشريع بقضايا الربا، والتبني، والزكاة، والزنا والتحرش الجنسي، وجميع الأمور التي كانت قبل الإسلام منتشرة، حيث القراَن وضع حدًا لهذه الظواهر، وما من شيء جاء به الإسلام إلا وأظهرت الأيام صِدقه وفائدته للناس جميعًا، ومن الإعجاز القرآني بالتشريع الإسلامي ما يأتي:-[٤]

الربا

يُعد الربا من الإعجاز القرآني في التشريع الإسلامي، حيث حرم القراَن الكريم الربا ومنع الناس من التعامل بها، لما فيها من ظُلم كبير وأكل أموال الناس بالباطل، وهذا ما كان يُدركه الصحابة في بداية الدعوة الإسلامية، ومع مرور مئات السنوات أدرك العلماء وخبراء الاقتصاد أضرار الربا ومنها سوء توزيع الثروة، وضعف التنمية الاقتصادية والاستثمار والتضخم، ويزيد الربا معدل البطالة ويهدر الموارد الاقتصادية، هذه الاَثار السلبية للربا تدل على أن هذا التشريع معجز، وأن التحريم من عند الله ولا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله.[٤]

التبني

اعتبر تحريم التبني من الإعجاز القرآني في التشريع الإسلامي، وجاء تحريم التبني بالقراَن الكريم بقوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}،[٥] ونزلت الاَية بعد ان كان التبني سائدًا في الجاهلية، كما وضحت أن الظاهرة خاطئة ولا تعُطي نتائج صحيحة، وتظهر أهمية التشريع في هذا العصر بسبب زيادة الأولاد غير الشرعيين حيث ببعض الدول وصلت نسبة الأولاد غير الشرعيين إلى ما يقارب 50%، وجاءت النسبة عالية لهذا الحد بسبب الغاء هذه الدول القوانين الأخلاقية.[٦]

الزنا

ظن أهل الشهوات أنهم أحرار في عُقولهم وتفكيرهم وأجسادهم، فهم يتصرفون بما تمليه عليهم شهواتهم، بتفكيرهم انتشرت الفواحش من الزنا واللواط والسُحاق والتحرش، بهذا السعي للحرام أبغضوا الحلال، حيث يعد الزواج لديهم أمر مقيد للحريات، والعفة وستر العورات عندهم رجعية، ولا فرق بين الرجال والنساء في الملبس أو التصرفات، ولم يُعد للمحارم وزن ولا احترام للأنساب.[٧]

ولأن الإسلام دين كل زمان ومكان فإن القانون الرباني ينظُر للمشكلة بنظرة شاملة، فكان مع حماية الأعراض شأن اَخر يقوم علي فهم الطبيعة واحتياجات النفس البشرية وجاء في قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}،[٨] والشهوة لا تُعد خطأ بل هي جبلة في الإنسان، ويكمُن الخطأ في حب الشهوة وتزيينها للعقل.[٧]

الإسلام تعامل مع المشكلة بالترهيب من العقوبة المشددة والوقاية من خلال التربية الإسلامية الصحيحة التي تقنن الشهوة ولا تكبتها، حيث التشجيع على الزواج وفي ذلك منع للعلاقات الجنسية غير المشروعة، ولأن الاختلاط بين الرجال والنساء يؤجج الشهوة ويؤدي إلى أمور سلبية كثيرة فقد نزل قوله تعالى: {إِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا}،[٩] وقد دلت الاَية الكريمة على أن الأصل احتجاب النساء على الرجال، وتعد قضايا الزنا من الإعجاز القرآني في التشريع الإسلامي.[٧]

التشريع القراَني

إذا صحت العقيدة كان الأخذ بالتشريع القرآني على مستوى صحة العقيدة، لتكون كل عبادة مفروضة مظهراً من مظاهر الصلاح الذي ينعكس على أثر المجتمع، فالصلاة تربية روحية يتعلم الفرد من خلالها نظام المجموعة، والزكاة تقتلع من النفس جُذور الشر وعبادة المال، والصوم ضبط للنفس وحبس للشهوة، والحج سياحة روحية وتجوال في أماكن الوحي الأولى، وبها ينضم المسلم إلى قافلة المقُبلين على الله، والتشريع القرآني حث على الزواج والمعاشرة بالمعروف، والشورى فلا استبداد برأي.[١]

المراجع[+]

  1. ^ أ ب ت "إعجاز القرآن"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 10-07-2019. بتصرّف.
  2. ^ أ ب ت "التفريق بين التفسير العلمي للقرآن، والإعجاز العلمي"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 10-07-2019. بتصرّف.
  3. سورة الأنعام، آية: 97.
  4. ^ أ ب "الرّبا وآثاره الاقتصاديّة"، www.kalemtayeb.com، اطّلع عليه بتاريخ 10-07-2019. بتصرّف.
  5. سورة الأحزاب، آية: 5.
  6. "قال الله تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ)"، www.kalemtayeb.com، اطّلع عليه بتاريخ 10-07-2019. بتصرّف.
  7. ^ أ ب ت "إعجاز التشريع الإسلامي في مُحاربة الزنا و التحرش الجنسي بالردع و الوقاية"، www.kalemtayeb.com، اطّلع عليه بتاريخ 10-07-2019. بتصرّف.
  8. سورة ال عمران، آية: 14.
  9. سورة الأحزاب، آية: 53.