أسباب التطرف الديني

بواسطة: - آخر تحديث: ١١:٥٤ ، ١٤ أكتوبر ٢٠١٩
أسباب التطرف الديني

مفهوم التطرف الديني

إن المفهوم الشرعي للتطرف الديني بمعنى التطرف في اللغة وهو: الوقوف في الطرف والجانب والجنوح عن الوسط، وأصل وضع الكلمة في الأشياء المادية ثم اُستعيرت وأضيفت لها الصفات المعنوية مثل تطرف الفكر والسلوك، ومن هنا يمكن تعريف التطرف الديني بأنه الابتعاد عن الوسطية التي هي إحدى أهم خصائص الدين الإسلامي ومجافاة الصواب والتشدد بالدين بعيدًا عن الفهم الصحيح للنصوص الشرعية، وقد حذر الرسول الكريم من هذا التطرف وعبّر عنها بكلمة الغلو وهو الزيادة في الشيء عن حدّه الطبيعي، حيث قال: "إيَّاكُم والغُلُوَّ في الدِّينِ؛ فإنَّما هَلَكَ مَن كان قَبلَكُم بالغُلُوِّ في الدِّينِ"،[١] وفي هذا المقال سيتم الحديث عن بدايات وأسباب التطرف الديني وما يترتب عليه من نتائج وآثار.[٢]

بدايات التطرف الديني

إن بدايات التطرف الديني بمفهومه العام قديمة جدًا لكنّ هذا المقال يتحدث على وجه الخصوص عن التطرف الديني المتعلق بالدين الإسلامي والذي يمكن إرجاع بداياته إلى عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حيث ظهرت حالات فردية جنحت عن منهج العدل والتوسط، ولكنّ هذا الجنوح لم يكن على نمطٍ واحد أحدها كان متمثلًا بالغلو في مدح الرسول وتعظيمه لحد الزعم بامتلاكه صفات ألوهية وهؤلاء رد عليهم رسول الله بقوله: "لا تُطْرُونِي كما أُطْرِيَ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ، وقُولوا: عبدُ اللَّهِ ورَسولُهُ"،[٣] ومعنى لا تطروني أي لا تبالغوا في مدحي،[٤] أما النمط الآخر فهو على النقيض تمامًا حيث ظهر أشخاص تعاملوا مع رسول الله بغلظة وجفاء ومنهم رجل يُقال له ذي الخويصرة اعترض على قسمة رسول الله للفيء في إحدى الغزوات، وهذا التصرف ناجم عن الجهل بالنصوص الشرعية والتمسك بحرفيتها، وتجاهل أن الرسول الكريم لا يتصرف من تلقاء نفسه وإنما بما يوحي إليه ربه، ولا بدّ من الإشارة إلى أن هذه حالات تكاد تكون نادرة في عهد رسول الله ولكنها كانت بذرة لنشوء جماعات متطرفة فيما بعد.[٥]

أسباب التطرف الديني

إن أسباب التطرف الديني كثيرة ومتنوعة منها ما هو نفسي وداخلي ومنها ما هو اجتماعي كالهجمة الشرسة ومحاولة التغريب والإقصاء التي يتعرض لها الإسلام، ولكن التمسك بحرفية النصوص الشرعية وضعف الفهم وعدم الأخذ بما قرره علماء المسلمين في المذاهب الأربعة المعتمدة والتزام الرأي الشخصي دون الرجوع إلى القواعد والأحكام المقررة في كتب الفقه يعد من أهم أسباب التطرف الديني والجنوح عن المنهج العدل القويم الذي سار عليه رسول الله في دعوته والتزمه أصحابه الكرام في حياتهم وتعاملاتهم ودعوتهم غير المسلمين إلى الإسلام.[٦]

كما أن منشأ هذا التمسك هو ضعف النظرة الشمولية لمقاصد النصوص الشرعية ومراميها وعدم اعتبار للمصلحة بالقدر اللازم، فكتب التراث الإسلامي مليئة بالقواعد الفقهية التي تراعي مصلحة المسلمين في كل زمان ومكان، وهذه القواعد لم تأتِ من فراغ بل هي مستنبطة من الأحاديث الشريفة والقرآن الكريم، وقد قال تعالى في سورة النساء: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ}،[٧] فالرد إلى علماء المسلمين وأخذ العلم عنهم مما أمر به الشرع الحنيف.[٦]

ولا جدال في أن الاجتهاد لا يصح في العبادات مثل الصلاة والصوم وإنما يكون في جانب المعاملات والسياسة الشرعية ويُلحق به إعلان الجهاد أو السلم وطريقة التعامل مع الأعداء بما يتناسب مع مصلحة المسلمين وأوضاعهم، إلا أن أصحاب الفكر المتطرف لا يعيرون ذلك أي أهمية ودأبهم هو الدعوة إلى الجهاد والقتل مهما كانت الظروف والأحوال.[٦]

أثر التطرف على الإسلام

إن أسباب التطرف الديني كثيرة ومتنوعة وكذلك هي آثاره وسلبياته ومظاهره التي يعد من أبرزها الأخذ بالأشد والأصعب وتصوير الإسلام وكأنه دين حرفي لا يُراعي إنسانية الإنسان، وفي هذا تشويه وظلم للدين وإغفال سماحة الإسلام ويُسره، حيث قالت السيدة عائشة -رضي الله عنها-: "ما خُيِّرَ رَسولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- بيْنَ أَمْرَيْنِ، أَحَدُهُما أَيْسَرُ مِنَ الآخَرِ، إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا"،[٨] ورسول الله هو قدوة البشر وهو الذي أظهر وعلّم الناس مبادئ الإسلام الصحيحة وفق الصراط المستقيم الذي أمر سبحانه عباده بالتزامه بدون لا إفراط ولا تفريط أي لا شدة ولا تراخي.[٦]

ومن آثار التطرف انتشار الفهم المغلوط للمفاهيم الدينية بين عامة الناس ممن ليس لديهم علم شرعي وكذلك بين غير المسلمين وترسيخ مبدأ العقاب والشدة والنار في أذهان الشباب وغالبية شرائح المجتمع مع عدم الحديث بالشكل الكافي عن الجنة والنعيم الذي أعدّه سبحانه لعباده المتقين فالدين الإسلامي دين ترغيب وترهيب أما الفكر المتطرف فيجعله دين ترهيب فقط ويجعل طريقة نشره الوحيدة والدعوة إليه هي حد السيف وعدم إعارة المعاملة الطيبة والأخلاق الإسلامية الحميدة التي أدت إلى انتشار الإسلام في كثير من بقاع الأرض بالإضافة إلى الفتوحات الإسلامية العظيمة أية أهمية مما يؤدي إلى الخوف والنفور من الإسلام.[٦]

الإسلام في مواجهة التطرف

بعد الحديث عن أسباب التطرف الديني وأثره على الإسلام، لا بد من التطرق إلى موقف الإسلام من التطرف والحلول التي انتهجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لإبعاد المسلمين عن التطرف وإبقائهم ضمن دائرة الوسطية والعدل، حيث رسّخ رسول الله الكثير من المبادئ والقيم الأخلاقية التي تحافظ على صفات اللين والرفق والرحمة في المجتمع الإسلامي وتبقيه بعيدّا عن العنف، ومنها إقرار مبدأ المساواة بين جميع الناس والحض على التعامل بالرفق والعدل والإحسان في جميع المواقف وقد نهى عن العنف مع النساء والخدم ووضع أسس وقواعد للتعامل مع المخطئ والمسيء بغض النظر عن دينه وعقيدته، وحرّم ترويع الآمنين وإخافتهم حتى ولو كان على سبيل المزاح والفكاهة.[٩]

كما عظّم الإسلام جريمة قتل النفس بدون حق، وخير مثال على بعد الإسلام عن التطرف هي أخلاق الرسول وأسلوبه في الدعوة إذ كان يحض على الدعوة السلمية دون اللجوء للحرب حيث قال -عليه الصلاة والسلام- في غزوة خيبر لعلي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "انْفُذْ علَى رِسْلِكَ حتَّى تَنْزِلَ بسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إلى الإسْلَامِ، وأَخْبِرْهُمْ بما يَجِبُ عليهم مِن حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بكَ رَجُلًا واحِدًا، خَيْرٌ لكَ مِن أنْ يَكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ"،[١٠] فالحل السلمي هو الخيار الأول وهداية البشر إلى الدين الحق هي غاية رسول الله ومبتغاه وهذا ما يجب أن يسير عليه المسلمون في دعوتهم إلى الإسلام.[٩]

فيديو عن أسباب التطرف الديني

في هذا الفيديو يوضح فضيلة الدكتور عبدالرحمن إبداح بعضًا من أسباب التطرف الديني الاجتماعية مثل الفقر والطبقية والفساد ويبين الحل الإسلامي في القضاء على هذه المشاكل الاجتماعية، كما تطرّق فضيلته إلى أحد أسباب التطرف الديني الاقتصادية وهو التهميش الاقتصادي ومشكلة الدول النامية والفقيرة.[١١]

المراجع[+]

  1. رواه شعيب الأرناؤوط، في تخريج المسند، عن عبدالله بن عباس، الصفحة أو الرقم: 20/347، إسناده صحيح على شرط مسلم.
  2. "التطرف بين الحقيقة والاتهام"، www.library.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 08-10-2019. بتصرّف.
  3. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبدالله بن عباس، الصفحة أو الرقم: 6830، صحيح.
  4. " شرح حديث "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى..""، www.fatwa.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 09-10-2019. بتصرّف.
  5. "الفصل الثالث: نشأة الخوارج"، www.dorar.net، اطّلع عليه بتاريخ 09-10-2019. بتصرّف.
  6. ^ أ ب ت ث ج "فلنبحث عــن الأســباب"، www.library.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 10-10-2019. بتصرّف.
  7. سورة النساء، آية: 83.
  8. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم: 2327، صحيح.
  9. ^ أ ب "علاج رسول الله لمشكلة العنف والإرهاب"، www.islamstory.com، اطّلع عليه بتاريخ 12-10-2019. بتصرّف.
  10. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن سهل بن سعد الساعدي، الصفحة أو الرقم: 4210، صحيح.
  11. "أسباب التطرف الديني"، www.youtube.com، اطّلع عليه بتاريخ 12-10-2019. بتصرّف.