أحكام الهدي في الحج

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٧:٣٠ ، ٢ أغسطس ٢٠١٩
أحكام الهدي في الحج

فريضة الحج

الأصل في كلّ شيءٍ في هذه الدّنيا هو الأساس والرّكن، أو ما يدعى بالركائز الرئيسة التي يقوم عليها هذا الشيء، وكذلك الشريعة الإسلاميّة التي جاء بها سيّدنا محمّد -عليه الصّلاة والسّلام-، فالدّين الإسلاميّ له أركانٌ خمسة ذكرها النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام-، فقال: "بُنِيَ الإسْلَامُ علَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، وإقَامِ الصَّلَاةِ، وإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والحَجِّ، وصَوْمِ رَمَضَانَ"،[١] وكانت فريضة الحج من الأركان التي يقوم عليها الإسلام، وهي فرض عينٍ على كلّ مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ قادرٍ على أداءِ المناسكِ، وعلى بلوغ الحدّ الأدنى من المترتبات على السفر والحج، قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}،[٢] والمقال يشرح أحكام الهدي في الحج، والذي يعدّ منسكًا من مناسكه.[٣]

أحكام الهدي في الحج

الخوض في الحديث عن أحكام الهدي في الحج يوجب التعريف به، فما هو الهدي في الحجّ؟ إنّ الهدي في الحجّ هو ما يهديه الحاجّ إلى بيت الله الحرام من بهيمة الأنعام، ويكون ذلك تقرّبًا إلى الله -جلّ في علاه- وفداءً عن النّفس، ودفعًا للأذى والبليّة، كما يعدّ الهدي بابًا من بوابة الامتنان والشكر لله تعالى على ما تفضّل به على الناس من النعم، وفي حجّة الوداع كان نصيب رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- من الهدي أن يتقرّب إلى الله بمئةٍ من الإبل، وقد قال تعالى عن الهدي في كتابه الكريم: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.[٤][٥]

العاشر من ذي الحجّة أولّ أيّام عيد الأضحى المبارك، وبعد انتهاء حجاج بيت الله الحرام من رمي جمرة العقبة الكبرى، يتوجبّ على الحجاج القيام بذبح الهدي، تقرّبًا إلى الله سبحانه، والهدي في الحجّ ينقسم إلى نوعين، منه ما كان واجبًا على الحاجّ، ومنه ما يكون تطوّعًا منه، أمّا الواجب فيه فله أشكالٌ مختلفة:[٦]

هدي التمتع والقران

فمن كانت له نيّة الإحرام حجًّا كان متمتعًا، ومن قرن بين الحجّ والعمرة كان قارنًا، وفي كلتا الحالتين وجب على الحاجّ أن يذبح هديًا إذا كان قادرًا على ذلك، وإلّا فصيامٌ أوضحه الله تعالى في القرآن الكريم، في قوله تعالى: {فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}،[٧] ويكون هذا الذبح في الحرم المكيّ، ويجوز للحاجّ أن يأكل منه، ويهدي به، وأن يوزع منه على مساكين الحرم.[٨]

هدي ترك الواجب

وهو ما ذبح لترك واجبٍ من واجبات الحجّ، وإن كان الترك في واجبات الحج لمرضٍ أو علّة فقد وجب عليه الذبح، وقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: "من نسيَ من نسكهِ شيئًا أو تركَهُ فليهرِق دمًا"، وعلى هذا الهدي أن يكون ذبحه في الحرم، ويوزّع في مكانه في الحرم أيضًا.[٦]

هدي الإحصار

فمن عقد نيّة الحجّ، وعزم به، ومنع من إتمام حجّه، أو صدّه عدوٌّ من إكمال حجّه، فعليه أن ينحر ما تيسر من الهدي في مكانه، ثمّ يحلق رأسه أو يقصّر، ثم يتحلّل من إحرامه، كما فعل النبيّ بعد أن صدّه المشركون عن دخول مكّة، قال تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ }.[٧][٦]

هدي الصيد

وهو الهدي الذي يكون سببه صيدًا للحاجّ أثناء إحرامه، وهو أمرٌ غير جائزٍ أثناء الإحرام، وهذا الهدي يكون ذبحه وتفريقه داخل الحرم، ولا يجوز تفريقه خارجه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۚ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ ۗ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ}.[٩][٨]

هدي ارتكاب المحظور

وهو النحر الواجب على المحرم في حال وقوعه بالغفلة أثناء إحرامه، كمن يقلّم أظفاره، أو يحلق شعره، أو يتزيّن ويتطيّب، فقد وجب عليه الدم تخييرًا، قال تعالى:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}.[٧][٦]

وأما هدي التطوّع فهو الهدي الذي يكون بغير الإلزام، وهو يكون أيضًا من باب التقرّب إلى الله -سبحانه وتعالى-، ويكون في الإحرام وفي غيره، أيّ يصحُّ لغير المحرم أن يهدي بما فتح الله عليه من النعم، وقد ورد عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- في حديثه المطوّل عن حجّة النبيّ: "ثُمَّ انْصَرَفَ إلى المَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ ما غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ في هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ ببَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ، فَطُبِخَتْ، فأكَلَا مِن لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِن مَرَقِهَا"،[١٠] ومن المعلوم أنّ من زاد على واحدة فهو تطوّع، يُسَنُّ التطوُّعُ بالهَدْيِ للمُفْرِد والمتمَتِّع والقارِن، والحاجّ وغير الحاجّ، وهذه هي أحكام الهدي في الحجّ.[٦]

شروط الهدي

عند ذكر أحكام الهدي في الحج لا بدّ من الحديث عن الشروط والركائز الأساسية التي يقتضيها الهدي في الحجّ، فمن أولى شروط الهدي أن يكون الذبح من بهيمة الأنعام من الإبل والغنم والبقر، على أن يكون ثنيًّا من البقر والإبل والمعز، وأن يكون جزعًا من الضأن، أي أن يستوفي من عمره ما يقتضيه الشرع الذي بيّنه النبيّ -عليه الصّلاة والسّلام-، وهي الخمس سنوات للإبل، والاثنتين للبقر، والواحدة للغنم، والستة أشهر للضأن، والهدي كما الأضحية أن تكون الدّابة سليمةً من العور والعرج والمرض والعجف، ومن السنّة انتقاء الأفضل بينها دومًا، والأبهر والأغلى ثمنًا، وذلك لقول الله تعالى في القرآن الكريم: {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}.[١١][٦]

وقت ذبح الهدي

أحد الأبواب الكثيرة عند الحديث عن أحكام الهدي في الحج هو ذكر مواقيتُ جوازها، وذلك كما ورد في الكتاب والسنّة النبويّة الشريفة، والهدي فيه التطوع والوجوب، وكلاهما وجب فيه الذبح بالحرم على اختلاف تجزئة الهدي، أمّا عن وقتها:[١٢]

  • وقت هدي التطوّع والتمتع والقران: و يكون من صباح يوم العاشر من ذي الحجّة -يوم النحر-، وحتّى غروب شمس آخر يومٍ من أيّام التشريق -الثالث عشر من ذي الحجّة-، وفيها من الجواز ومن باب الاستحباب أن يأكل هو منها ويطعم المساكين، قال تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.[١٣]
  • وقت هدي الوجوب والإحصار: وهذا الهدي يكون ملزمًا فيه الحاجّ بوقت وجود سببه، فلا يحلّ له أن يأكل منه، بل عليه أن يوزّعه كلّه للفقراء والمساكين.

المراجع[+]

  1. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبدالله بن عمر، الصفحة أو الرقم: 8، [صحيح].
  2. سورة آل عمران، آية: 97.
  3. "حج"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 31-07-2019. بتصرّف.
  4. سورة الحج، آية: 36.
  5. " باب الهدي"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 31-07-2019. بتصرّف.
  6. ^ أ ب ت ث ج ح "أحكام الهدي"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 31-07-2019. بتصرّف.
  7. ^ أ ب ت سورة البقرة، آية: 196.
  8. ^ أ ب "الهدي الواجب على الحاج ، ومكان ذبحه"، www.islamqa.info، اطّلع عليه بتاريخ 31-07-2019. بتصرّف.
  9. سورة المائدة، آية: 95.
  10. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن جابر بن عبدالله، الصفحة أو الرقم: 1218، [صحيح].
  11. سورة الحج، آية: 32.
  12. "وقت ذبح الهدي"، www.al-eman.com، اطّلع عليه بتاريخ 31-07-2019. بتصرّف.
  13. سورة الحج، آية: 36.