أحداث غزوة العسرة

بواسطة: - آخر تحديث: ٠٩:٢٦ ، ١٩ مايو ٢٠١٩
أحداث غزوة العسرة

غزوة العسرة

هي غزوة تبوك وقد حدثت في السنة التاسعة من الهجرة النبوية، وجاءت بعد فتح مكة وانتصار المسلمين في الطائف، وهي آخر غزوات النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان سبب تسمية الغزوة بغزوة العسرة المصاعب الشديدة التي واجهت المسلمين في الاستعداد لها، وقد كانت اختبارًا أخيرًا من الله تعالى للمسلمين في حياة رسول الله ليثبت القلوب على الإيمان، تلك القلوب التي ستنشر هذا الدين في كلِّ الأرض، وقد علم النبي -صلى الله عليه وسلم- بأنَّ الروم وحلفاؤهم من العرب يجهزون جيشًا للهجوم على المدينة والقضاء على الإسلام والمسلمين فحثَّ النبي الناس على الجهاد والدفاع عن الإسلام، غير أنَّ الروم تفرقوا في البلاد قبل مواجهة المسلمين، ولم يحصل القتال، وسيتحدث هذا المقال عن أحداث غزوة العسرة.[١]

أسباب غزوة العسرة

في شهر رجب كانت غزوة العسرة، الغزوة العظيمة والأخيرة للمسلمين في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد ميزت الخبيث من الطيب في مدينة رسول الله وفضحت كلَّ منافق يُضمِر الكفر ويدَّعي الإيمان، فلن يقوم هذا الدين ولن تنتشر هذه الرسالة إلا بقلوب ثابتة صادقة وبإيمان لا تشوبه شائبة، فذلك كان السبب الروحي والنفسي لهذه الغزوة، أمَّا السبب الثاني أنَّه وصلتْ الأخبار للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّ الروم وقد كانوا قوةً عظمى حينئذٍ يعدّون جيشًا عظيمًا اشترك فيه العرب الذين في حلف الروم، وكانت المدينة في ذلك الوقت تعيش جفافًا، والحرارة فيها مرتفعة والثمار ما تزال على الأشجار لم تُقطف بعد، فالوقت عصيب والقرار صعب ولشدة الموقف سُميت الغزوة في القرآن الكريم غزوة العسرة وذلك في قوله تعالى: { لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}[٢].[٣]

قرر النبيَّ -عليه الصلاة والسلام- الجهاد حسمًا للموقف فلو تُرك الروم لوصل جيشهم للمدينة، ولتجرأ بعدها المشركين من العرب على المسلمين من جديد، وجهر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقراره بين الناس، ونزلت آية من القرآن تأمر بالقتال وذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}[٤]، فرأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّ الروم هم من أمر الله بقتالهم بعد المشركين في هذه الآية الكريمة، وبدأ استعداد المسلمين للغزو وتجهيز الجيش.[٣]

استعداد المسلمين لغزوة العسرة

في ظروف قاسية على المسلمين كان الاستعداد لغزوة العسرة، فقرٌ وجفاف وحرارة الصيف العاليّة، وقلَّة المياه، ولكنَّ النبيَّ-صلى الله عليه وسلم- لا يملك خيارًا سوى المواجهة، وبدأ النبي يُرسل للقبائل المجاورة للمدينة ولأهل مكة ليطلب منهم الدعم والاستنفار للحرب، وحثَّ كلَّ المسلمين في الجزيرة للعربية لينفقوا لتجهيز الجيش الإسلاميّ، ونزلت آيات سورة التوبة تحثّث المسلمين على الجهاد والانفاق والصمود، وفي طاعة وصبر بدأ المسلمون يتدفقون إلى رسول الله من كلِّ الجزيرة العربية، ومن المدينة المنورة.[١]

وبدأ المسلمون بالإنفاق وقد وعدهم رسول الله بالأجر العظيم، وقد انفق كلُّ مسلم على حسب سعَتِه، وبرز الصحابي الجليل والمنفق العظيم عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، فقد انفق في هذه الغزوة انفاقًا يظهر صدق سريرة هذا الصحابي الجليل وحُبَّه لدين الحق، وطاعته لله ورسوله، وقد نقل هذا الموقف الصحابي عبد الرحمن بن حباب حيث قال: "شَهدتُ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ وَهوَ يَحثُّ على جيشِ العُسرةِ فقامَ عثمانُ بنُ عفَّانَ فقالَ عليَّ مائةُ بعيرٍ بأحلاسِها وأقتابِها في سبيلِ اللَّهِ ثمَّ حَضَّ على الجَيشِ فقامَ عثمانُ فقالَ يا رسولَ اللَّهِ عليَّ مِائتا بعيرٍ بأحلاسِهَا وأقتابِها في سبيلِ اللَّهِ ثمَّ حضَّ على الجيشِ فقامَ عثمانُ فقالَ يا رسولَ اللَّهِ عليَّ ثلاثمائةِ بعيرٍ بأحلاسِها وأقتابِها في سبيلِ اللَّهِ فأنا رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ ينزلُ عنِ المنبرِ وَهوَ يقولُ ما على عثمانَ ما عمِلَ بعدَ هذِهِ ما على عثمانَ ما عملَ بعدَ هذِه"[٥] فكان هذا موقف عثمان بن عفان.[١]

وقد وقف الصحابة موقف عثمان بن عفان ذاته، أمَّا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فأنفق نصف ماله، وأمَّا أبي بكرٍ الصدِّيق فقد انفق كلَّ ماله -رضي الله عنه-، وأمَّا عبد الرحمن بن عوف فقد أنفق يومها ألفي درهم وهو نصف ماله، وأنفق بعض الصحابة نفقات كبيرة كطلحة بن عبيد الله والعباس ين عبد المطلب، وغيرهم -رضي الله عنهم-، حتى فقراء الصحابة انفقوا استطاعتهم وهم في حياءٍ من فقرهم، وبدأ همسُ المنافقين وسخريتهم من نفقة فقراء الصحابة، فنزلَ فيهم قوله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[٦]، ولشدة الفقر أصبح لكلِّ ثلاثةِ مجاهدين دابةُ واحدة ليتعاقبوا على ركوبها في الغزوة، وتجهَّز المسلمون للغزو.[١]

أحداث غزوة العسرة

بعد أن تجهَّز جيش عزوة العسرة، انطلقوا بقيادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شمالي الجزيرة العربيَّة، وكان عدد المسلمين ثلاثين ألف مجاهد، وبدأت المعاناة من الحرِّ الشديد ونقص الماء وقلة الراحلة فكان لكلِّ ثلاثة صحابة دابةٌ واحدة يتناوبون على ركوبها، حتى اضطر المجاهدون لأكلِ أوراق الأشجار وعقر الإبل ليشربوا الماء المخزن في بطونها، فدعا النبيُّ أن ينزل المطر واستجاب له الله تعالى ونزلت الأمطار من السماء وارتوى المجاهدون، فكانت تلك معجزةٌ للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، ورحمة للمؤمنين، ووصل الجيش إلى موقعٍ يُدعى تبوك ولم يجدوا أثرًا للروم، فأرسل النبيُّ خالدَ بن الوليد إلى مكان اسمه دومة الجندل على رأس سرية فغَنِم عددًا من الأنعام وأسر ملك دومة الجندل وجاء به إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فصالحه على أن يدفع الجزية وتركه ليعود إلى دياره، وظلَّ النبيُّ والمسلمون في تبوك عشرين يومًا، تأتي إليهم وفود القبائل المجاورة لتصالح وتدفع الجزية، وهكذا تحقق للنبيِّ مبتغاه من الغزوة وعاد مع الجيش إلى المدينة المنورة.[٧]

نتائج غزوة العسرة

أثمرت الغزوة عن نتائج كثيرة جاء لمصلحة الإسلام والمسلمين في المدينة المنورة وكلّ الجزيرة العربية فقد اسقطت هيبة الروم وكشفت تلك الصورة المزيفة عن قوى الروم التي لا تُقهر، بعد انسحاب المسلمين في غزوة مؤتة، فكانت غزوة العسرة لتمسح آثار الهزيمة وتقوي من عزيمة العرب وتقوي ثقة العرب بقوة المسلمين، وأصبحت دولة المسلمين دولة القوة الوحيدة في المنطقة التي تحدت قوة الروم ليس بدوافع عرقية أو قبليَّة أو لطع في سلطان أو زعامة بل بدافع فتح وتحرير من الظلم والعبودية، ونشر رسالة الحق وأنَّ العبودية لله وحده، وكانت هذه الغزوة هي البداية لفتح المسلمين لبلاد الشام وباقي المناطق التي يسيطر عليها الروم، وقد جاءت القبائل تصالح رسول الله وتدخل في حلفه بعد أن كانوا في حلف الرومان، وذلك اعتراف صريح بسيادة المسلمين.[١]

المراجع[+]

  1. ^ أ ب ت ث ج "غزوة تبوك"، www.marefa.org، اطّلع عليه بتاريخ 18-05-2019. بتصرّف.
  2. سورة التوبة، آية: 117.
  3. ^ أ ب "غزوة تبوك"، www.alukah.net، اطّلع عليه بتاريخ 18-05-2019.
  4. سورة التوبة، آية: 123.
  5. رواه الألباني، في ضعيف الترمذي، عن عبدالرحمن بن خباب بن الأرت ، الصفحة أو الرقم: 3700، ضعيف.
  6. سورة التوبة، آية: 76.
  7. "غزوة تبوك....والمواجهة الأخيرة"، www.islamweb.net، اطّلع عليه بتاريخ 18-05-2019.