الحياة الأدبية في العصر الأموي شهد العصر الأموي ولادة فنّين تَحَيَّزا مكانةً بارزةً بين الفنون التي ظهرت تلك الآونة، وقد شغَلا بيئتين مختلفتين من رقعة الدولة الإسلاميّة، فقد ظهر فنّ الغزل في بلاد الشام بنوعيْه: العذري والصريح، ومن أبرز أعلامه: قيس بن الملوح وعمر بن أبي ربيعة، في حين برز فنُّ النقائض في منطقة العراق، وأبرز أعلامه: الفرزدق وجرير والأخطل، والجديرُ بالذكر أنّ الشاعرَ قد تبوَّأ قديمًا مكانةً خاصّةً في قبيلتِه أفردته عن غيرِه من الناس، سيّما أنه عُدّ لسانَ القبيلة، والمدافعَ السليط عنها، وفي هذا المقال سيتم تعريف فنّ النقائض وخصائصه الفنيّة و أشهر شعراء النقائض. فن النقائض تُصنّف النقائض أنها نوع من أنواع قصائد الهجاء التي ظهرت في العصر الأموي، حيث ينظم الشاعر قصيدةً يذكر فيها مفاخر قبيلته وأمجادَها، ويُعرّض فيها بخصوم قبيلته بذكر جرائرها، ليقوم شاعر آخر من القبيلة المخاصِمة بنظم قصيدة يردّ بها عليه، بشرط التقيّد بالوزن والقافية والرّوي والبحر العَروضي نفسه في كلتا القصيدتيْن، وقد تكون النقيضة هجاءً موجّهًا لصاحب النقيضة الأخرى فحسبْ، وتوصف النقائض بأنها معركة شعريّة أمويّة أضرمَ نارَها شاعران من بني تميم هما: الفرزدق وجرير، حيث كانا أبرزَ من اشتبكَ فيها، وقد استمرّ هذا الفنّ بينهما حتى وفاة الفرزدق عامَ 110 هجريًّا، وقد أحال بعض الدارسين ظهور هذا الشعر إلى خلافات سياسية وعصبيّة جاهليّة بين قبائل العرب. خصائص النقائض الخصائص الشعرية واللغوية والمحتوى الأدبي وطريقة الصياغة وأسلوبها وغيرها، كلها ما يميز فنون الشعر عن بعضها ويضفي طابعًا خاصًا لكل فن عن الآخر، وفيما يأتي ذكرًا موجزًا لخصائص شعر النقائض: الأسلوب: اعتماد الأسلوب الساخر والفَكَهي في بناء النقيضة، وذلك إنما يدلّ على تفتُّق مَلكةِ العرب عن ذهنٍ متفتّح، كما أنهم اعتمدوا الهجاء الفاحش واللغة الغليظة فيها. حجم النقيضة: اتسمت النقيضة الواحدة بطولها؛ إذ إنها لم تقتصر على الهجاء فحسب، إنما كانت تأتي على الأخبار السياسيّة للقبيلة، إضافة إلى التفاخر بالخلفاء وذكر مناقبهم. المقدمة: يستهلّ جرير نقيضته بمقدمة طللية، بينما يستهلُّها الأخطل بمقدمة خمريّة، أما الفرزدق فيبدأ نقيضته بالهجاء دون مقدّمات. المادة الثقافية: يمكن اعتبار النقائض أنها مصدرٌ غني يعرضُ ثقافة قبائل العرب وطباعهم ومعاركهم وأمجادهم فيها، فقد أكثر جرير بمدح فرسان تغلب ويأتي على انتصاراتهم. أشهر شعراء النقائض نظمَ فنَّ النقائض شعراء عديدون، إلّا أنّ اهمَّ من عدّهم التاريخ روّاده وأعلامه ثلاثة شعراء أمويّين تبارزوا فيما بينهم لميلادِ شعر عظيم أخذ مكانتَه في كتب الأدب، فيما يأتي نبذة موجزة عن أشهر شعراء النقائض: جرير: وهو أبو حزرة، جرير بن عطية الكلبي اليربوعي، يرجع نسبه إلى بني تميم، ولدَ في نجد عامَ 33 هجريًّا وتوفي فيها، اشتهر في الهجاء والمدح والغزل، عاشَ فقيرًا، وتعلّم الشعرَ عن جدّه، وقد طوَّعَه في الدفاع عن قبيلتِه ومساجلة شعراء زمانِه، واقترن خبرُه في المصادر بالشاعرَين الفرزدق والأخطل. الفرزدق: وهو أبو فراس، همام بن غالب بن صعصعة الدارميّ، يرجع نسبه إلى بني تميم، ولدَ في البصرة عامَ 38 هجريًّا وتوفي فيها، لقّبَ بالفرزدق لتجهّم وجهه وغلظته، ويعدّ أبرز شعراء العصر الأموي، كان ملازمًا للأشراف ومن نبلاء قومه. الأخطل: وهو أبو مالك، غياث بن غوث بن الصلت بن معد بن عدنان، يرجع نسبه إلى قبيلة تغلب، ولدَ عامَ 19 هجريًّا في منطقةٍ تسمّى حاليًّا الكويت، وتوفي في البصرة، كان نصرانيًّا، وقد غالى في مدح خلفاء بني أميّة، تهاجى مع جرير والفرزدق، وكان مأخوذًا بشعره. نقائض جرير والفرزدق تعدّ النقائض التي دارت بين جرير والفزدق أشهر ما تناقله الرواة من هذا الفنّ، ومما ورد في هذا السياق بينهما ما يأتي: يقول الفرزدق: إنّ الذي سمكَ السماءَ بَنى لنا       بيتاً، دعائمهُ أعزُّ وأطوَلُ بيتًا بناهُ لنا المليكُ، وما بنى          حَكَمُ السماءِ، فإنه لا يُنقَلُ بيتاً زُرارة مُحْتَبٍ بفنائِه                 ومُجاشِعٌ وأبو الفوارس نهشلُ يجيبُه جرير: أخْزَى الذي سمكَ السماء مجاشعاً      وبَنى بناءَك في الحَضيضِ الأسفَلِ بيتاً يحمحمُ قينكم بفنائهِ                   دنساً مقاعدُه خبيثُ المدخَلِ قُتل الزبيرُ وأنت عاقـدُ حبوةٍ                تبـاً لحبوتكَ التي لم تحلُلِ

أشهر شعراء النقائض

أشهر شعراء النقائض

بواسطة: - آخر تحديث: 7 مايو، 2018

الحياة الأدبية في العصر الأموي

شهد العصر الأموي ولادة فنّين تَحَيَّزا مكانةً بارزةً بين الفنون التي ظهرت تلك الآونة، وقد شغَلا بيئتين مختلفتين من رقعة الدولة الإسلاميّة، فقد ظهر فنّ الغزل في بلاد الشام بنوعيْه: العذري والصريح، ومن أبرز أعلامه: قيس بن الملوح وعمر بن أبي ربيعة، في حين برز فنُّ النقائض في منطقة العراق، وأبرز أعلامه: الفرزدق وجرير والأخطل، والجديرُ بالذكر أنّ الشاعرَ قد تبوَّأ قديمًا مكانةً خاصّةً في قبيلتِه أفردته عن غيرِه من الناس، سيّما أنه عُدّ لسانَ القبيلة، والمدافعَ السليط عنها، وفي هذا المقال سيتم تعريف فنّ النقائض وخصائصه الفنيّة و أشهر شعراء النقائض.

فن النقائض

تُصنّف النقائض أنها نوع من أنواع قصائد الهجاء التي ظهرت في العصر الأموي، حيث ينظم الشاعر قصيدةً يذكر فيها مفاخر قبيلته وأمجادَها، ويُعرّض فيها بخصوم قبيلته بذكر جرائرها، ليقوم شاعر آخر من القبيلة المخاصِمة بنظم قصيدة يردّ بها عليه، بشرط التقيّد بالوزن والقافية والرّوي والبحر العَروضي نفسه في كلتا القصيدتيْن، وقد تكون النقيضة هجاءً موجّهًا لصاحب النقيضة الأخرى فحسبْ، وتوصف النقائض بأنها معركة شعريّة أمويّة أضرمَ نارَها شاعران من بني تميم هما: الفرزدق وجرير، حيث كانا أبرزَ من اشتبكَ فيها، وقد استمرّ هذا الفنّ بينهما حتى وفاة الفرزدق عامَ 110 هجريًّا، وقد أحال بعض الدارسين ظهور هذا الشعر إلى خلافات سياسية وعصبيّة جاهليّة بين قبائل العرب.

خصائص النقائض

الخصائص الشعرية واللغوية والمحتوى الأدبي وطريقة الصياغة وأسلوبها وغيرها، كلها ما يميز فنون الشعر عن بعضها ويضفي طابعًا خاصًا لكل فن عن الآخر، وفيما يأتي ذكرًا موجزًا لخصائص شعر النقائض:

  • الأسلوب: اعتماد الأسلوب الساخر والفَكَهي في بناء النقيضة، وذلك إنما يدلّ على تفتُّق مَلكةِ العرب عن ذهنٍ متفتّح، كما أنهم اعتمدوا الهجاء الفاحش واللغة الغليظة فيها.
  • حجم النقيضة: اتسمت النقيضة الواحدة بطولها؛ إذ إنها لم تقتصر على الهجاء فحسب، إنما كانت تأتي على الأخبار السياسيّة للقبيلة، إضافة إلى التفاخر بالخلفاء وذكر مناقبهم.
  • المقدمة: يستهلّ جرير نقيضته بمقدمة طللية، بينما يستهلُّها الأخطل بمقدمة خمريّة، أما الفرزدق فيبدأ نقيضته بالهجاء دون مقدّمات.
  • المادة الثقافية: يمكن اعتبار النقائض أنها مصدرٌ غني يعرضُ ثقافة قبائل العرب وطباعهم ومعاركهم وأمجادهم فيها، فقد أكثر جرير بمدح فرسان تغلب ويأتي على انتصاراتهم.

أشهر شعراء النقائض

نظمَ فنَّ النقائض شعراء عديدون، إلّا أنّ اهمَّ من عدّهم التاريخ روّاده وأعلامه ثلاثة شعراء أمويّين تبارزوا فيما بينهم لميلادِ شعر عظيم أخذ مكانتَه في كتب الأدب، فيما يأتي نبذة موجزة عن أشهر شعراء النقائض:

  • جرير: وهو أبو حزرة، جرير بن عطية الكلبي اليربوعي، يرجع نسبه إلى بني تميم، ولدَ في نجد عامَ 33 هجريًّا وتوفي فيها، اشتهر في الهجاء والمدح والغزل، عاشَ فقيرًا، وتعلّم الشعرَ عن جدّه، وقد طوَّعَه في الدفاع عن قبيلتِه ومساجلة شعراء زمانِه، واقترن خبرُه في المصادر بالشاعرَين الفرزدق والأخطل.
  • الفرزدق: وهو أبو فراس، همام بن غالب بن صعصعة الدارميّ، يرجع نسبه إلى بني تميم، ولدَ في البصرة عامَ 38 هجريًّا وتوفي فيها، لقّبَ بالفرزدق لتجهّم وجهه وغلظته، ويعدّ أبرز شعراء العصر الأموي، كان ملازمًا للأشراف ومن نبلاء قومه.
  • الأخطل: وهو أبو مالك، غياث بن غوث بن الصلت بن معد بن عدنان، يرجع نسبه إلى قبيلة تغلب، ولدَ عامَ 19 هجريًّا في منطقةٍ تسمّى حاليًّا الكويت، وتوفي في البصرة، كان نصرانيًّا، وقد غالى في مدح خلفاء بني أميّة، تهاجى مع جرير والفرزدق، وكان مأخوذًا بشعره.

نقائض جرير والفرزدق

تعدّ النقائض التي دارت بين جرير والفزدق أشهر ما تناقله الرواة من هذا الفنّ، ومما ورد في هذا السياق بينهما ما يأتي:

  • يقول الفرزدق:

إنّ الذي سمكَ السماءَ بَنى لنا       بيتاً، دعائمهُ أعزُّ وأطوَلُ
بيتًا بناهُ لنا المليكُ، وما بنى          حَكَمُ السماءِ، فإنه لا يُنقَلُ
بيتاً زُرارة مُحْتَبٍ بفنائِه                 ومُجاشِعٌ وأبو الفوارس نهشلُ

  • يجيبُه جرير:

أخْزَى الذي سمكَ السماء مجاشعاً      وبَنى بناءَك في الحَضيضِ الأسفَلِ
بيتاً يحمحمُ قينكم بفنائهِ                   دنساً مقاعدُه خبيثُ المدخَلِ
قُتل الزبيرُ وأنت عاقـدُ حبوةٍ                تبـاً لحبوتكَ التي لم تحلُلِ